وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا واللّه ذلك الرجل » « 1 » .
ويعلق ابن خلدون بفكره الثاقب وعبقريته الفذة مفندا رأي كعب قائلا :
« وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال عمرانه متعاقبا والأدلاء تقص طرقه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ، ولا ذكرها أحد من الإخباريين . .
وهذه مزاعم كلها خرافات . . وحكايات أشبه بالأقاصيص الموضوعية التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات . . . » « 2 » .
فانظر يرحمك اللّه إلى ابن خلدون وهو يفند آراء هؤلاء الأدعياء بالمنطق والبرهان العلميين ويرد على ترهاتهم وهم أدخلوا إلى الحديث هذه الإسرائيليات التي زعم « جولد زيهر » أنه قد احتواها ولكنه تجاهل مصدرها المشبوه لهوى في نفسه .
ونحن لو روينا لك ما فعله الآخرون من وضع وتحريف للأحاديث والتفاسير لذهب بنا الاستطراف كل مذهب ولكننا نكتفي بهذه الأمثلة للبرهنة على خطل رأي « جولد زيهر » الذي زعم مدلسا أن الأحاديث تجمع كل هذا الشتات ولكنه أغفل عن ذكر مناهج المسلمين لتصفيتها من هذه الشوائب الإسرائيلية والنصرانية اللاحقة بها . ولكننا إحقاقا للحق ، وتطبيقا للأمانة العلمية فإننا نذكر أن « جولد زيهر » قد أشار إلى ذلك في معرض حديثه كما أننا نقر بوجود العديد من الأحاديث الصحيحة مما يوافق الإسرائيليات وبعض الأمثال العامة . وهذه مصدرها الرسول كما هو مصدر غيرها ولا شيء في هذا « 3 » .
وأخطر مشبهات « جولد زيهر » تلك التي زعم فيها أن التأثير الأدبي للتعاليم الاعتقادية ترقى بتطور الحديث كالشرك الذي يشتم منه أن تمجيد اللّه غير مقصود لذاته ، فالرياء والكبر نوعان من الشرك . . . الخ .
ونحن ننفي هذا التفسير الخطير جملة وتفصيلا ، فالوحدانية المطلقة هي الأساس الرئيس للديانة الإسلامية ، وإن تمجيد اللّه واقتصار الربوبية عليه هو مقصود لذاته ، وإن عقيدة التوحيد لم تخضع مطلقا لنظرية تطور الحديث التي يقول بها . وإن النصوص
هامش
( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة ، المرجع السابق ، ص 11 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 11 ، 12 .
( 3 ) تعليق محمد يوسف موسى على هامش « العقيدة والشريعة في الإسلام » ص 45 .