ولكن البأس كل البأس في أحاديث هؤلاء الناس بالخرافات والأساطير حتى يفسدوا عقول العامة من المسلمين ، بل وأثروا على حكامهم وأولياء أمورهم ، وحتى أدخلوا في الأحاديث من الوضع والتدليس ما إن تنوء الجبال بنقله ويفقد الحديث ثقته وصدقه .
فهذا كعب الأحبار يضع أحاديث لا أساس لها من الصحة ينسبها زورا إلى التوراة كقوله : إنه وجد صفة النبي في التوراة ، وادعاء كعب بأن الخليفة عمر سيموت مقتولا بعد ثلاثة أيام وتنبيهه إياه عن ذلك وسؤال عمر له عن سبب معرفة دنو أجله ، وإجابته له بأن هذا الحديث موجود في التوراة ، ودهشة عمر بذلك سائلا إياه ورود اسمه نصا في التوراة ، وتخلصه من هذا السؤال المحرج عندما أجابه : إن فيه حليته وصفاته « 1 » .
ثم تتحقق هذه النبوة . ونحن نرى مع آخرين أن هذه النبوة لم تتحقق صدفة ، ولم تشتمل التوراة على حلية عمر وصفته ، ولكنها المؤامرة التي دبرتها الشعوبية للقضاء عليه والتي كان على رأسها الهرمزان وأبو لؤلؤة وكعب نفسه .
وهذا كعب ذاته أذاع في الناس مهزلة « الاستسقاء » عند انحباس المطر ، قياسا على ما يفعله الإسرائيليون في الظروف المماثلة ، وقد أطاعه الفاروق في فريته واستسقى للمسلمين بعم الرسول العبّاس وهو أمر لا يقبله العقل والمنطق من جهة ، ولا تقبله عقيدة التوحيد من جهة أخرى ، ولا تقبله التنبؤات الجوية وعوامل الأنواء والجو من جهة ثالثة . ونحن نجل الفاروق من الاستسقاء بأحد من بني البشر مهما كانت صفته ، وقد تضافرت الروايات الأخرى على أنه دعا اللّه لإنزال الغيث ولم يستسق بالعباس وهذا أمر يتفق وما عهدناه في هذا العظيم من حسن الرأي والتدبير « 2 » .
ولعلنا نورد ما ذكره ابن خلدون في مقدمته وهو يدحض هذه الأقوال التي يرددها المؤرخون بدون تبصر ولا روية فيقول : « ذكر الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم من المفسرين وينقلون عن عبد اللّه بن قلابة من الصحابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع على مدينة « إرم ذات العماد » وحمل منها ما قدر عليه ، فبلغ خبره معاوية فأحضره وقصّ عليه فبحث عن كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك وهو أحمر أشقر ، قصير على حاجبه خال
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 5 ، ص 2732 - 2733 .
( 2 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 7 ، ص 92 .