نعم يقصد « جولد زيهر » بالأحاديث التي دخلها الكثير من الآداب اليهودية والنصرانية والحكم الفلسفية هي تلك الإسرائيليات التي دخلت التفسير القرآني والأحاديث النبوية عن طريق اليهود الذين أسلموا ولكن في قلوبهم مرض آن لنا أن نفسره تفسيرا وافيا شافيا .
أشرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب إلى ذلك الصراع الديني والسّياسي الذي اندلع بين الرسول واليهود المقيمين بالمدينة ، وتتبعنا آثاره الثقافية ومدى تأثر القرآن بالعهد القديم من عدمه ، وأثبتنا أن ذلك الأثر والتأثير معدوم لاختلاف الديانتين والقوميتين في العديد من الأمور العقائدية والفكرية باستثناء عقيدة « التوحيد » ، ونود أن نضيف هنا أن بعض اليهود دخلوا الإسلام خوفا وطمعا ، ولكن قلوبهم لا تزال متعلقة بديانتهم الأصلية وعقائدهم العنصرية ، واشتهر من هؤلاء كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سبأ . واستطاع هؤلاء الثلاثة إفساد الحياة العقلية والدينية للمسلمين بإدخال الأساطير والخرافات والإسرائيليات إلى العقيدة والثقافة الإسلامية ، كما حاولوا إفساد نظمه السياسية عن طريق المؤامرات والدسائس التي نجحوا في ترويجها ، وما قصة عبد اللّه بن سبأ في هذا الصدد ببعيدة أو مجهولة . ولكن هؤلاء القوم بالرغم من ثقافتهم الضئيلة مقارنة بثقافة أسلافهم اليهود في الأصقاع الأخرى فهم كانوا أهل كتاب ومستواهم الثقافي يرتقي قليلا عن مستوى العرب باعتبارهم أهل كتاب . وأشرنا في مبحث سابق إلى رأي ابن خلدون حولهم والتنديد بهم باعتبارهم نقلوا كثيرا من الإسرائيليات إلى التفاسير الإسلامية معتمدين في ذلك على التوراة . ونود أن نضيف هنا أن ابن خلدون أشار في موقع آخر من مقدمته « وكثيرا ما وقع للمفسرين والمؤرخين وأئمة النقل ، المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثّا أو سمينا ، لم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، وسيروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار ، فضلوا عن الحق ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط » « 1 » . وهكذا اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الأحبار وعبد اللّه بن سلام ، واتصل التابعون بابن جريج ، وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها ، فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات القرآن فكانت منبعا من منابع التضخم « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة ج 1 ، منشورات الأعلمي للمطبوعات ، 1971 م ، ص 7 .
( 2 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، مكتبة النهضة المصرية ، ج 2 ، ص 139 .