قلوب المسلمين في ذلك الزمن القريب من الدعوة الإسلامية لتتأكد يقينا أنه من الصعوبة بمكان الجزم بقيام أولئك الناس بوضع أحاديث ملفقة عن رسول اللّه . يضاف إلى ذلك أن الصحابة بعد وفاة الرسول تحوطوا عند رواية الحديث وكانوا يجيبون عن السائلين عنه بقولهم : « الحديث عن رسول اللّه شديد » . ويقول السائب بن زيد :
صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديثا واحدا ، خوفا من الوقوع في خطأ لم يقصدوه ، واحتياطا منهم في دين اللّه « 1 » .
وهذا الخليفة الصديق يجمع الناس بعد وفاة نبيّهم وينهاهم عن التحدث عن أحاديث رسول اللّه فيختلفون فيها ، والناس سيكونون من بعدهم أشد اختلافا ، فلا يحدثوا عن رسول اللّه شيئا ومن يسألهم عن ذلك فيقولون له « بيننا وبينكم كتاب اللّه ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه » « 2 » .
وهذا الخليفة عمر يجمع أصحاب رسول اللّه المنتشرين في الآفاق ، ويلومهم على الأحاديث التي يتحدثون بها في الآفاق ويحبسهم عنده حتى مات ، وينهى أبا هريرة عن رواية الحديث مهددا إياه بنفيه إلى أرض دوس إذا استمر في ذلك « 3 » .
وهذا الخليفة الثالث عثمان يرتقي المنبر ويخاطب المسلمين قائلا : لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر ، فإني لم يمنعني أن أحدث عن رسول اللّه ألّا أكون أوعى أصحابه ، إلّا أني سمعته يقول : « من قال علي ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار » « 4 » .
وهذا عمر بن ميمون يقول : إنه اختلف إلى عبد اللّه بن مسعود سنة ، فما سمعه فيها يتحدث عن رسول اللّه ولا يقول قال رسول اللّه إلا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه قال رسول اللّه ، فعلاه الكرب حتى رأى العرق يتحدر عن جبينه « 5 » .
فإذا تركنا ذلك كله ، واطلعنا على تشديد الصحابة في قبول الأخبار ، وتحري الصدق فيها ، والتثبت من كل حديث يقال إنه مرفوع إلى الرسول لرأينا استحالة الوضع
هامش
( 1 ) مصطفى السباعي ، السنة ومكانتها في التشريع ، المرجع السابق ، ص 76 .
( 2 ) الحافظ الذهبي ، تذكرة الحفاظ ، في : أضواء على السنة المحمدية ، محمد أبو رية ، الطبعة الأولى ، مطبعة دار التأليف ، 1958 م ، ص 29 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 39 .
( 4 ) المرجع السابق .
( 5 ) المرجع السابق ، ص 31 .