تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
سهلا « 1 » . فكيف يمكن التوفيق بين هذين الرأيين المتناقضين ؟ فتارة يصف السنة بأنها جوهر العادات الإسلامية وأحيانا يصفها بأنها شرح لألفاظ القرآن الغامضة . وهذا التضارب ليس مرجعه عدم معرفة « جولد زيهر » للتفرقة بينهما فهو عالم واسع المعرفة والاطلاع ، إلّا أنه أراد التدليس والغموض والإبهام حينما يقرر هذه المسائل التي تترك الباحث يستنبط منها ما يشاء من نتائج ، ولكنها تعبر في النهاية عن خلط واضح في المعلومات أراد أن يحملها على عدة وجوه للتشويش الفكري ليس إلّا . ويؤكد « جولد زيهر » - وهو شرح نظريته حول ظهور الحديث كنتيجة لتطور المسلمين - أن الأحاديث الموضوعة لا يمكن إسنادها إلى الأجيال المتأخرة وحدها ، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم ، وهذه إما قالها الرسول أو من عمل رجال الإسلام القدامى « 2 » . وهذه العبارة غامضة فإنه يفهم منها بداية أن الوضع قد ساد في العصر الإسلامي الأول بحيث لا يمكن إيعاز الوضع للأجيال المتأخرة ، ولكنه يزيدها غموضا عندما يقول « وهذه إمّا قالها الرسول أو من عمل رجال الإسلام القدامى » . فكيف يكون الرسول قد وضع أحاديث كاذبة ؟ وكيف نستسيغ أنها من عمل رجال الإسلام القدامى . فأما التساؤل الأول فإنه باطل من أساسه ولا يحتاج بطلانه إلى بيان . أما الرأي الثاني فإنه يستحق منّا وقفة لبيانه . فنحن نعلم أن الأحاديث قد وصلت إلينا عن طريق رجال الإسلام القدامى ونعني بهم الصحابة والتابعين وتابعي التابعين . وهذه الطبقات الثلاث لها من الورع والتقوى والزهد ما يمنعها من وضع أحاديث كاذبة على الرسول طبقا للمجرى العادي للأمور . وهؤلاء الناس أوصاهم الرسول بتبليغ السنة إلى من يأتي بعدهم مع التثبت فيما يرون استنادا إلى قوله : « نضّر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها ثم أدّاها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » . وانتشر بينهم ذلك الحديث الذي ينهى بصرامة عن الكذب عليه ، وقد وصل إلينا هذا الحديث بطرق مختلفة وإضافات طفيفة خاصة كلمة « متعمدا » . ونحن لا يهمنا صحة حرفية هذا الحديث ولكن الذي يعنينا في هذا المقام أن هذا الحديث قد توعد الكاذب عن الرسول بالنار وبئس القرار . وعليك أن تتخيل أيها القارئ وقعه على
هامش
( 1 ) جولد زيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق ص 41 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 41 .