تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
الصلاة ومقدارها ، وشهر الصوم وعدده ، ونصاب الزكاة ، ومناسك الحج عن مسلمي شمال إفريقيا والأندلس ؟ . إن الأحاديث النبوية وجدت منذ حياة الرسول ، ونقلها الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وكلهم صادق مؤتمن في دينه ، ويفترض فيهم العدالة والورع والتقوى ، ولا ينقلون عن الرسول إلّا ما تحققوا من صدقه وثبوته . فتكون هذه الأحاديث نابعة من مصدرها الأساسي دون أن يطالها التحريف والتعديل خاصة في ما يتعلق بالسنة الفعلية للرسول ، فأين التطور الذي خضعت له المناحي السياسية والاجتماعية والتشريعية في الديانة الإسلامية حتى جاءت الأحاديث عن أخرة تسند وتدعم هذا التطور الذي شاب حياة المجتمع الإسلامي ؟ إننا لا ننكر عملية وضع الأحاديث بأخرة . وهذا أمر مفهوم ومتفق عليه منذ القدم نتيجة الأهواء السياسية والمذهبية والحزبية ، وسنتعرض في مباحث مقبلة لهذه القضايا تفصيلا . ولكن نشأة الأحاديث وتنظيمها لشؤون الأمة الإسلامية لم تأت نتيجة تطورات وتدبر لتكون عاكسة لها . فالسنة ليست جوهر العادات وتفكير الأمة الإسلامية قديما كما قال « جولد زيهر » ولكنها عبارة عن أقوال وأفعال وتقريرات الرسول ، المنقولة عنه بالتواتر وحتى بالآحاد ، والتي شرحت الكتاب وبينت ما غمض منه ، وشرحت ما جاء فيه ، وشرّعت أحكاما جديدة لم تكن مذكورة فيه ، لأن الأحاديث الصحيحة بإجماع فقهاء المسلمين وحي من اللّه لنبيّه ، شأنها في ذلك شأن القرآن . أما إذا قصد « جولد زيهر » أن السنة باعتبارها جوهر العادات وقصد من وراء ذلك تلك العادات الجاهلية فقد فندنا رأيه في مباحث أخرى ، وأثبتنا أن الإسلام أبقى على الصالح منها وألغى الطالح منها ، ومن هنا تغيرت من عادات جاهلية حسنة إلى تعاليم دينية اصطبغت بالشرعية الدينية طالما كان منصوصا عليها في الكتاب والأحاديث الصحيحة . أما إذا قصد « جولد زيهر » أن السنة هي جوهر العادات وتفكير الأمة الإسلامية قديما هي الطريقة الشرعية التي جرى عمل المسلمين عليها ، فإننا في تفسيرنا لها لا تتعدى أن تكون حديثا مرويا عن الرسول ، أو أنها ثابتة بعمل الصحابة أو الإجماع عليها وغير هذا التفسير لا نجد له بديلا . ثم يناقض « جولد زيهر » نفسه في عجز الفقرة السابقة عندما يقرر أن السنة تعتبر شرحا لألفاظ القرآن الغامضة التي جعلتها أمرا عمليا