نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي في القرنين الأول والثاني الهجريين . فهذا التحليل لا أساس له من الناحية الواقعية . وبيان ذلك أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد نظم أمور المسلمين الاعتقادية والاجتماعية قبل أن يتوفاه اللّه . فهذا القرآن جاء حافلا بتنظيم المعاملات والعبادات بجميع أشكالها وألوانها . ولم يترك شيئا إلّا وجد له بيانا شافيا .
وهذه الأحاديث النبوية تفسر ما غمض من الكتاب ، وتشرح ما أتى موجزا ، وتوضح ما جاء مبهما ، وتفصل من الأحكام ما جاءت مختصرة ، وتبين للناس أمور دينهم ودنياهم . ولم تدع مجالا إلّا وطرقته ، ولا قضية آنية إلّا وعالجتها ، وأقر القرآن الأحكام العامة التي فصلتها الأحاديث تفصيلا وافيا . بل إن الأحاديث جاءت بأحكام جديدة لم يأت بها القرآن في محكم آياته . وحتى الأمور السياسية التي اعتقد المستشرقون أن القرآن والحديث لم يتطرقا إليها قد عولجت في إطار مبادئ الشورى العامة التي تلزم الحكام مشاورة المحكومين ، وعدم قطع أي أمر بدون أخذ آرائهم ، واحتوت التعاليم الإسلامية على مبادئ كلية تنظم كيفية تولي أمور المسلمين ، والشروط الواجب توافرها فيمن يتولى أمرهم ، والحدود التي لا يتعداها من يقوم بها .
وأقرت مبادئ الديمقراطية الحقة عندما لم تقصر الأمر على قبيلة معينة أو أسرة معينة أو عائلة معينة ، فتولى أمر المسلمين أناس ليس لهم قوة ولا منعة ولا سلطة إلّا سابقتهم في الإسلام ، وعملهم الدءوب في نشر دعوته ، وإلّا فما هي قوة قبيلة تيم التي ينتمي إليها الخليفة أبو بكر ؟ . وما هي سلطة أو سطوة قبيلة عدي التي ينتمي إليها عمر ؟ .
وما ذا كان تأثير البيت الأموي إبان فترة الخلفاء الراشدين وهم من الطلقاء الذين أسلموا بأخرة ؟ . حتى إن اختيار عثمان من بين الستة المرشحين للخلافة لم يكن مرجعه إلى بيته بمقدار ما كان اختياره لخصال حميدة يتمتع بها كسابقته للإسلام ، ومعاضدته الرسول بماله وجاهه لنشر دعوته ، وخصاله الحميدة كالتقى والورع التي أهّلته لتبوّء المكانة الأولى في الجماعة الإسلامية .
ثم ما ذا ترك الرسول لمن بعده في تنظيم شؤون العبادات ؟ . فهذا القرآن أتى شافيا وافيا في بيان العقيدة والإيمان ، مرسيا القواعد الكلية للشعائر الدينية ، مفصلا تفصيلا وافيا لأمور الأحوال الشخصية ، مبينا الحلال والحرام بطريقة واضحة لا لبس فيها ولا غموض . وهذه السنة قد أتت تفصل مجمل الكتاب ، وتبين مشكله وتبسط مختصره ، مصداقا لقوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
. فأنت لا تجد في السنة أمرا إلّا والقرآن قد دلّ على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية مصداقا