ويصل « شاخت » إلى نتيجة علمية مفادها أن بحوث « جولد زيهر » قد أثبتت أن معظم الأحاديث المنسوبة إلى الرسول لم تكن موجودة في الزمان الذي ادّعى أنها تنتمي إليه ، ولكنها خضعت لتطورات متلاحقة في القرون الإسلامية الأولى . وهذا الاكتشاف المذهل أصبح حجر الأساس لجميع الدراسات الجدية التي تتناول الشريعة الإسلامية ثم يفترض فرضا تعسفيا عندما يقول : إن كتابه هذا جاء ليؤكد نتائج جولد زيهر العلمية بل إنه يتعداها طالما كانت معظم الأحاديث والمصنفات القديمة لم توضع للتناول إلّا بعد عصر الشافعي « 1 » .
هكذا استعرضنا عليك آراء المستشرقين حول تطور الحديث في العصور الإسلامية الأولى ، وبيّنا لك أن نظرياتهم تستند إلى أن هذه الأحاديث لم يكن معظمها موجودا إبان حياة النبي وعهد الصحابة والتابعين ، ولكنها وضعت بأخرة نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية والتطورات التي شابت الدعوة الإسلامية إبان انتشارها في المقاطعات المفتوحة . وهو رأي خطير كما ترى لأنه يخلع عن السنة كل صدقية ، ويطوعها إلى الوضع الذي يستند إلى الظروف التي مرت بها هذه الدعوة بعد انطلاقتها الأولى ، ويشكك في معظم حقيقة هذه الأحاديث التي تكوّن مصدرا أساسيا للشريعة الإسلامية . وهو مطعن خطير في حدّ ذاته لا يضاهيه إلّا الشك في صحة النص القرآني ونفي ألوهية مصدره .
وسنحاول الرد على هذه الآراء طبقا للمنهاج الذي سرنا على منواله ، ونريد التنبيه منذ البداية إلى أنه لو استطردنا في تتبع الجزئيات التي فاه بها المستشرقون لأطلنا في هذا الكتاب إطالة تخرجنا أحيانا عن منهجنا ، وبذلك سنقتصر في ردودنا على الآراء الهامة التي تؤلّف خطرا على تراثنا ومصدرنا التشريعي الهام . كما نود التنبيه إلى أن هناك علماء جلّة تعرضوا إلى مطاعن المستشرقين حول السنة المحمدية وردوا عليها ردودا مقنعة ، وغالبا ما تكون أفكارنا مطابقة لهم تمام المطابقة ، ومن هنا لا مناص لنا من الاستعانة بها ، والاعتماد عليها مع استقلالنا عادة في الأسلوب والتحليل وتجنبنا تكرار ما أوردوه من ردود .
علينا أن نناقش « جولد زيهر » أولا في آرائه حول مقولته القاضية بأن الحديث كان
هامش
( 1 )Ibid , p . 4 .