ويستطرد « شاخت » في بيان تطور الحديث فيقول : إنه من المؤكد أن السابقين والمعاصرين للشافعي كانوا يقدمون أحاديث الرسول ، إلّا أنهم كانوا يضعونها في نفس المنزلة التي يضعون فيها آثار الصحابة والتابعين ، ويفسرونها على ضوء عرفهم الخاص ويبيحون في ذلك أن يطغى العرف على الأحاديث ، وقد كان الاحتجاج بآثار الصحابة والتابعين هو المعمول به عند الجيلين السابقين للشافعي ، وكان الاحتجاج بأحاديث الرسول هو الأمر الشاذ فأصبح عمل الشافعي أن يجعل الأمر الشاذ هو الأمر المعمول عليه عنده ، وعلى ذلك فإننا سنجد من المحتم علينا أن نستنتج أن آثار الصحابة والتابعين كانت أقدم بصفة عامة من أحاديث الرسول « 1 » .
ويرى « شاخت » أن كل الآثار التي يستدلّ عليها ويدّعى إسنادها إلى الرسول هي غالبا ما تكون أخبارا مفردة قد وضعت في صورة مختصرة مسبوقة بسلسلة من الرواة ، تعرف عادة بالإسناد وهي التي يقصد بها التثبّت من صحتها ، ولتحقيق هذه الغاية يجب أن يكون الإسناد متصلا ، وأن يقود إلى شاهد بالعيان أو السماع كما يجب توفر الثقة المطلقة بالرواة جميعا ، ولقد كان نقد الحديث كما قام به العلماء المسلمون بصفة مستمرة قاصرا على نقد شكلي محض للأسانيد تبعا لهذه الطريقة ، والأحاديث التي ترفع إلى الرسول بصفة عامة ، والتي تمخضت عن تطبيق هذا المنهج النقدي - وفيه القليل أو الكثير من التشدد - قد جمعت في القرن الثالث الهجري في عدد من المصنفات ، خلع على ستة منها فيما بعد صفة خاصة من الاعتبار ، وهي تكوّن في مجموعها مجموعة الأحاديث المعترف بها عند أهل السنة . وقد بدا واضحا أن تركيز الاهتمام على آثار الرسول دون ذكر للتابعين إنما يعكس نجاح ما أصر عليه الشافعي من أن الأحاديث المرفوعة إلى الرسول هي وحدها التي يحتج بها ، وأن من المسلّم به بصفة عامة أن نقد الحديث كما قام به العلماء المسلمون قاصرا وإن كان قد عمل على التقليل من الأحاديث الموضوعة ، لأن مجموعة الأحاديث المعمول بها عند أهل السنة تحتوي على عدد كبير من الأحاديث التي لا يمكن الجزم بصحتها ، ولقد باءت بالفشل كل الجهود التي حاولت أن تخرج من هذا التراث الذي يغلب عليه التناقض بخلاصة صحيحة مستعملة بما يسمى بالنقد التاريخي « 2 » .
هامش
( 1 )Ibid , p . 3 .( 2 )Ibid , p . 4 .