على كتاب اللّه فما وافقه فهو مني قلته أو لم أقله » . وهكذا نسبت إلى الرسول أحاديث كثيرة لم ينطق بها إلا أنها حسنة استنادا إلى قوله : « ما قيل من قول حسن فأنا قلته » .
إن المبادئ الآنف بيانها لا يمكن التعبير عنها إلا بعد عشرات السنين باعتبارها وقائع حقيقية . ويمكن أن نتبين شيئا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها . فمن ذلك ما رواه البخاري من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية ، فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد : « أو كلب زرع » لأن أبا هريرة كان له أرض يزرعها ، وهذه الملاحظة من ابن عمر تشير إلى ما يفعله المحدث لغرض في نفسه ومفادها عدم قتل الكلاب الموجودة في حراسة المزارع .
ويستمر « جولد زيهر » في بيان تطور الحديث لإثبات بعض الوقائع الفقهية وذلك عندما لجأ المسلمون إلى إظهار صحف مكتوبة تبين إرادة الرسول ولم يكتفوا بالروايات الشفوية بالخصوص ، ووجد هذا النوع تصديقا في هذا العصر . فإذا تعلق الأمر بنسخة من هذه الصحائف فإن أحدا لا يسأل عن النسخة الأصلية ، ولا يبحث عن صحتها ويمكن معرفة جرأة الوضّاعين من هذا الخبر ، ذلك أنهم في عصر الأمويين حاول بعض الناس التوفيق بين عرب الشمال وعرب الجنوب ، فأظهروا حلفا كان في عصر تبع بن معد يكرب بين اليمنية وربيعة ، وقد وجدوا هذا محفوظا عند بعض أحفاد هذا الأمير الحميري « 1 » ، فهؤلاء الذين يقبلون مثل هذا لا يكون من الصعب عليهم أن يعترفوا بمثله مما هو أقرب عهدا ، ونعني بهذا مسألة « تعريف الصدقة » عن صغار البقر وكبارها ، فقد وردت في ذلك أحاديث مختلفة ، ولكن لم يصح منها شيء ليأخذ منه جامعو الحديث نصوصا تحتوي على نظام للدفع مفصّل ، فرجع الناس إلى وصايا مكتوبة عن الزكاة مما وصّى به الرسول رسله إلى البلاد العربية ، مثل وصيته إلى معاذ بن جبل ، وكتابه إلى عمرو بن حزم وغيرهما ، مما روى لنا محتوياتها راوو الحديث ، ولم يكتف الناس بهذه النسخ المنقولة عن أصول ، بل أظهروا أيضا بعض هذه الأصول القديمة فهناك وثيقة كانت عند ابن عمر ، أمر عمر بن عبد العزيز بنقل نسخة منها ، وقد روى أبو داود تصحيح الزهري لها ، وهناك وثيقة أخرى بختم الرسول ، ذكرها أبو داود أيضا ، وقد أظهرها حماد بن أسامة عن ثمامة بن عبد اللّه بن أنس ، وكان أبو بكر قد وجهها لأنس بن مالك عندما ذهب لجمع الصدقات . وقد
هامش
( 1 )Ibid , p . 60 .