لهؤلاء الأتقياء . وأوضح مثال على ذلك أن خطبة الجمعة كانت خطبتين ، وكان يخطب الخلفاء وقوفا وأن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة فغيّر الأمويون كل ذلك خلافا لما يراه أهل المدينة ، وأصبح الخلفاء يخطبون وهم جلوس على المنابر وهذا راجع إلى تكبرهم ، واعتزازهم بسلطانهم حتى أصبحوا يرفضون الوقوف للخطبة أمام رعاياهم ، واستدلوا بذلك بما رواه « رجاء بن حيوة » من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا . وهناك مثل آخر يوضح لنا هذه المسألة وهو قيام معاوية بزيادة في درجات المنبر وما كان من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون ، حتى يظهر لرعاياه أنه أعلى منهم جميعا خلافا لما كان في الماضي زمن سيادة الديمقراطية « 1 » .
ثم تناول « جولد زيهر » تطور الحديث بعد القرن الأول الهجري ، ورأى أن الفترة اللاحقة له لم يقتصر فيها على نشر أحاديث ذات ميول وأغراض محددة فحسب ، بل تعداها إلى اضطهاد أحاديث لا تناسب السلطة الحاكمة ولا تمثل وجهة نظرها ، والعمل على إخفائها وتوهينها ، فالغاية تبرر الوسيلة ، ومما لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأمويين اختفت عند مجيء العباسيين . واستدل « جولد زيهر » لتأييد وجهة نظره بأدلة من قدح بعض العلماء فيما يخرجونه مخرج الجرح والتعديل مما أورد كثير من السلف القدماء . فهذا قول المحدث عاصم النبيل « المتوفى بالبصرة عام 212 ه عن عمر يناهز 90 سنة » يقول بوضوح : « ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث » . وهذه المقولة أعادها يحيى بن سعيد القطان « ت 192 ه » . ويقول وكيع بن زياد بن عبد اللّه : إنه مع شرفه في الحديث كان كذوبا . ويقول يزيد بن هارون : إن أهل الكوفة في عصره ما عدا واحدا كانوا مدلسين حتى السفيانان ذكرا بين المدلسين « يريد بهما سفيان بن عيينة وسفيان الثوري » . واستثنى من المحدثين واحدا لم يدخله ضمن المدلسين ولم يشأ ذكر اسمه . بل إن هناك آخرين ممن لا يشك في صدقهم وورعهم كانوا مدلّسين « 2 » .
وفي القرن الثاني الهجري شعر المسلمون بأنه يكفي لمعرفة صحة الأحاديث أن يرجع فيها إلى الشكل فقط بالرغم من عدم صحتها من الناحية الموضوعية . واستندوا في ذلك إلى ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « سيكثر التحدث عني فمن حدثكم بحديث فطبقوه
هامش
( 1 )Ibid , p . 51 .( 2 )Ibid , p . 38 .