تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
الزهري على ذلك بغير تردد وقال له : من يستطيع أن يخبرك بها غيري ؟ وهكذا استطاع الأموي أن يروي ما كتب في الصحيفة على أنها مروية عن الزهري « 1 » . ويرى « جولد زيهر » أن استعداد الزهري لإجابة رغبة البيت المالك بالوسائل الدينية كان مرجعه عدم استطاعته تحاشي تأثير الدوائر الحكومية عليه . وقد حدثنا « معمر » بكلمة مهمة وهي قوله « أي الزهري » : « أكرهونا عليها هؤلاء الأمراء » ، ويريد بقوله هذا أكرهونا هؤلاء الأمراء على أن نكتب الأحاديث ، ولا يسعنا - يقول « جولد زيهر » - إلا أن نفهم من هذا الخبر استعداد الزهري للاستجابة لرغبات السلطة الحاكمة المعترف بها لدى الأمة الإسلامية « 2 » . ويرى « جولد زيهر » أن الزهري لم يتجنب زيارة البلاط الأموي ، ولا يرى غضاضة من الظهور مع حاشية السلطان . بل إنه كان في معية ركب الحجاج إبان أداء فريضة الحج وهو ذلك الرجل البغيض لكل الأتقياء . وقد جعله هشام مربيا لولي عهده ، وتولى منصب القضاء في عهد يزيد الثاني . وهو في هذه الحالات كثيرا ما يغمض عينيه عن مسائل مخالفة للدين ، ولم يكن من أولئك الذين جابهوا خلفاء الجور سلبا أو إيجابا ، خلافا للذين يرون أن أية علاقة مهما كان نوعها مع السلطة الحاكمة محرمة ، وأن قبول أي منصب فيها يعد من الأمور غير المسموحة خاصة منصب القضاء . وكانت السلطة على علم بهذه الحركات التي قابلتها بعقوبات قاسية ، وأرغمت العديدين منهم على تولي المناصب العامة برغم إرادتهم . وكان هؤلاء الأتقياء يتحايلون على تجنب هذه المناصب قدر الإمكان ، فهذا الشعبي كان يلبس الألوان ويلعب مع الصبيان حتى يصبح غير أهل لتولي القضاء ، وكان هذا الفقيه من معارضي السلطة حتى رفع السلاح في وجهها في ثورة ابن الأشعث ضد الحجاج . وكان العلماء يرون أن من قبل منصب القضاء فقد ذبح بغير سكين « 3 » . ويستطرد « جولد زيهر » موضحا : إن الأمر لم يقتصر على وضع الأحاديث السياسية لمصلحة السلطة الحاكمة الأموية بل تعدى ذلك إلى النواحي الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق وما يراه أهل المدينة ، وكانت هذه القضايا مثار معارضة قوية
هامش
( 1 ) بتصرف ،Ibid , p . 47 .( 2 )Ibid , p . 47 .( 3 )Ibid , p . 49 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 428 | ساسي سالم الحاج