تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
محاربة الطغيان والإلحاد والبعد عن سنن الدين ، ونظرا لأنهم كانوا يؤملون في أعداء البيت الأموي وهم العلويون ، فقد كان محيط اختراعهم من أول الأمر موجها إلى مدح أهل البيت الذين يعقد عليهم هؤلاء الأتقياء الأمل في إنقاذ الإمبراطورية الإسلامية ، وهذا هو السبب الأساسي لتزوير الأحاديث المنصبة على مدح أهل البيت دون الهجوم المباشر على الأمويين ، وهكذا سار الحديث في هذه المرحلة سيرة المعارضة السالبة بشكل مؤلم ضد المخالفين للسنة الفقهية والقانونية « 1 » . هكذا دخلت السنة في القرن الهجري الأول في معارضة مكبوتة ضد العناصر المسيطرة على السلطة والحكم ، فأخذ التقاة ينشرون ويذيعون ما تجمّع لهم من أحاديث قليلة ، بل إنهم اخترعوا أحاديث جديدة لا يستطيعون الادعاء بصحتها إلا في مجتمع ضيق . ولكن ظهور « عمر بن عبد العزيز » على مسرح التاريخ الأموي غير كثيرا من الأمور ، فحاول إعطاء قيمة تطبيقية أو ضمنية لأعمال فقهاء القرن الأول الهجري . وهكذا أصبح مصطلح « السنة » يأخذ في عهده معنى رسميا ، وحاول وضعها موضع التنفيذ الفعلي في أقصى مقاطعات الإمبراطورية الإسلامية وحينما كان يبعث بمراسيمه إلى تلك المقاطعات فإنها كانت تحتوي غالبا على ثلاثة أوامر ، إحياء السنة وإماتة البدعة ، وتوزيع الزكاة وأخيرا إعادة الأموال المغصوبة إلى أهلها . غير أنه لا يذهب بنا الاعتقاد إلى أن العلماء التقاة المعارضين للنظام الأموي هم وحدهم قاموا باختراع الأحاديث التي لا تتنافى والروح الإسلامية ، بل إن النظام الحاكم لم يقف هو الآخر مكتوف الأيدي في هذا الصدد ، فإذا أراد تعميم رأي ونشره ، أو إذا رغب في إسكات خصومه تذرع بأحاديث تؤيد وجهة نظره ، فكان يعمل ما يقوم به خصومه فيضع الحديث أو يدعو أنصاره إلى وضعه ، وأنه لا توجد مسألة أخلاقية أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات إسناد قوي . فالوضع في الحديث ، ونشر بعضه أو اضطهاد بعضه بدأ منذ زمن مبكر ، فالأمويون كانت طريقتهم كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة « لا تهمل في أن تسب عليا وأن تطلب الرحمة لعثمان ، وأن تسب أصحاب علي وتضطهد أحاديثهم وعلى الضد من هذا ، أن تمدح
هامش
( 1 )Ibid , p . 41 .ويلاحظ أننا استعنا ببعض الفقرات في هذا المقطع من كتاب مصطفى السباعي ، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ، ط 1 ، دار العروبة ، ص 368 .