تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وهؤلاء المسلمون الأتقياء مثل سعيد بن المسيب وغيره عاشوا تحت طغيان هذه الدولة فعارضوها معارضة سلبية ، وأحيانا عبروا عن استيائهم بصراحة ووضوح حتى رفضوا قسم الطاعة والولاء الأمر الذي أوقعهم تحت رحمة أولئك الحكام فاحتقروهم وكرهوهم ونكّلوا بهم . وأوضح مثال على ذلك معاملة الحجاج بن يوسف لأنس بن مالك المتعسفة وتهديده إياه بوضعه ذات يوم هدفا للنبال . كما أن احتقار الخليفة « يزيد بن عبد الملك » للحسن البصري ليس خافيا ، ويدعوه « بالشيخ الجاهل » لأنه عارض النظام الوراثي الذي سلكه الأمويون بعد معاوية وكان يرى أن الخلافة شورى وليست وراثة . وهكذا اشتدت الخصومة في هذا العصر بين الأمويين والعلماء الأتقياء ، فأخذ هؤلاء العلماء يشتغلون بجمع الحديث والسنة - وهو نفس الدور الذي لعبه علماء اليهود تحت السيطرة الرومانية - وأخذت العناصر التقية في المجتمع تنظر إليهم - أي العلماء - نظرة تقدير واحترام باعتبارهم مرشدين لهم ومحرريهم مما تثقل به ضمائرهم ، وهكذا أسسوا السنة النبوية التي يجب على التشريع والقانون العام الإسلامي الاعتماد عليها من الناحية النظرية . وقدم لهم الصحابة والتابعون المعلومات والمبادئ الأساسية التي يرتكزون عليها كقاعدة لهم . وما لم يقدمه هؤلاء الناس فإنهم يذهبون بعيدا للبحث عنه . وهكذا زار هؤلاء العلماء المدينة باعتبارها معقل السنة . ونقطة انطلاق الإسلام والمسلمين . وتوغل بعض منهم في الرحلة إلى أماكن قصية بحثا عن الصحابة أو التابعين الذين يأملون أن يجدوا لهم توضيحا للمسائل الشرعية الغامضة عليهم . وضرب « جولد زيهر » مثالا على ذلك ب « مكحول » الذي كان عبدا لدى امرأة من بني هذيل بمصر ، وعندما أعتقته وغادر مصر جمع كل العلوم الموجودة بها . ثم ارتحل إلى الحجاز والعراق لنفس الغرض ولاقى النجاح ذاته . ثم سافر إلى سوريا فغربلها بحثا عن كيفية تنظيم غنائم الحرب « النفل » ولكنه لم يجد أحدا قدّم له ما يريده حتى وجد شيخا كبيرا اسمه « زياد بن غربة التميمي » وأخبره عمّا يبحث عنه بشأن توزيع « النفل » « 1 » . ويقول « جولد زيهر » : إنه نظرا لأن ما وقع في أيديهم - أي العلماء - لم يسعفهم في تحقيق أغراضهم ، أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبا فيها ولا تتنافى والروح الإسلامية ، وبرروا ذلك أمام ضمائرهم بأنهم إنما يفعلون ذلك من أجل
هامش
( 1 )Goldziher , E . T . I . op . cit , p . 41 .