التي دبجها « جولد زيهر » حول « السنة المحمدية » في كتاب الشهير « دراسات إسلامية » لاستعراض التطور الذي شاب الحديث النبوي حسب وجهة نظره ، وذلك بإعطاء فكرة واضحة عن الحجج والأسانيد التي قدمها بالخصوص ، باعتبارها الدراسة الاستشراقية الأكثر عمقا وجدة التي تناولت هذا الموضوع . ويجب علينا بعدئذ الرد على آرائه وشبهاته طبقا للمنهاج الذي سرنا على منواله في المباحث الأخرى ، ونود الإشارة إلى أنه في استعراضنا لهذه الآراء فإننا لا نترجمها ولكننا نستعرض أهم خصائصها تمهيدا للرد عليها .
لقد أشرنا في بداية هذا المبحث إلى رأي « جولد زيهر » حول تطور الحديث ، وأشرنا إلى آراء كتاب الموسوعة الإسلامية حوله ، وهي آراء لا تخرج في إطارها الواسع على ما ذكره « جولد زيهر » ، إلّا أن تفصيل عرض هذه الآراء يقتضي منا الإشارة من جديد إلى أن جولد زيهر يرى أنه لا أساس إلى اعتقاد أن الحياة الدينية الإسلامية قد تكونت منذ نشأة الإسلام الأولى على قاعدة « السنة » ، ولكنها كانت نتيجة تطور طويل في المقاطعات الإسلامية البعيدة التي تعج بالمحاربين العرب وسكان تلك المقاطعات الأصليين . ومن الطبيعي أن يوجد في تلك الأقطار بعض الصحابة والتابعين الذين لهم أثرهم على الحياة الدينية الإسلامية ، والذين أدخلوا تقوى وورع أهل المدينة إليها .
ولكن منذ الفتوحات الأولى فإن المدينة « لم تستطع تقديم نظام ديني متكامل ، فالتعاليم الجديدة بدأت بالكاد في التشكّل والتكوين ، وفي هذه المرحلة فإن العنصر المثقف في المسائل الدينية لم يكن إلا أقلية في الأقطار المفتوحة في مواجهة أعداد كبيرة من اللامبالين والجهلة . وهذا الاعتبار هو الذي يفسر لنا جهل وغياب أية قيادة مرشدة في المسائل الدينية إبان القرن الهجري الأول في الأقطار المفتوحة غير العربية ، ذلك أن الدوائر الحكومية لم تقم إلا بأشياء بسيطة في ما يتعلق بالمسائل الدينية في هذا القرن نظرا لعدم تشرب الحكام الأمويين بالروح الإسلامية الصحيحة ، والذين لا يفضلون حياة دينية أو اجتماعية متوافقة والسنة . ولكن هؤلاء الحكام يطبقون مفهوما آخر للسنة ، فمعاوية الأول يدعو إلى « سنة عمر » والتي بمقتضاها عودة نصف ثروة كبار بعض الموظفين بعد موته إلى بيت المال . ولتبرير شرعية مثل هذه الإجراءات فإن الولاة يبحثون عن سلطان السنة للاستناد إليها . إلا أنهم لا يهتمون بالحياة الدينية للجماهير ، كما لا يهتمون إلا قليلا بتنظيم سلوكهم أو في مواجهة رعاياهم . وإذا ما شاهدنا أحدهم وهو يصلي في المسجد بخشوع كبير فإنه على الأرجح ليس أمويا ولكنه
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 423
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٢٣