تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
الإسلامي . فالحديث كما قال « جولد زيهر » « تتجلى فيه جهود الأمة الإسلامية في عملها الشخصي الخالص ، فلم تندمج فيه أمور القانون والعادات والعقائد والأفكار السياسية فحسب ، بل لفّ فيه كل ما يملكه الإسلام من محصوله الشخصي ، وكذلك الأمور الغريبة عنه ، وقد غيّر هذا الغريب المستعار تغييرا أبعده عن أصله المأخوذ منه ، وضم ذلك كله إلى الإسلام . فهناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد ، وأقوال للربانيين أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة ، وتعاليم من الفلسفة اليونانية ، وأقوال من حكم الفرس والهنود - كل ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق « الحديث » ، حتى « أبونا » لم يعدم مكانه في الحديث المعترف به ، وبذلك أصبحت ملكا خالصا للإسلام بطريق مباشر أو غير مباشر تلك الأشياء البعيدة عنه . . . الخ » « 1 » . ثم يستطرد « جولد زيهر » في شرح نظريته والتي يمكننا أن نلخصها لك بأن الاختيار والتوفيق والانتخاب والسعي إليه الذي ظهر في الإسلام في نشأته الأولى قد تطور ، وهكذا صار « الحديث » إطارا للأفكار الدينية والخلقية في الإسلام وتطوراته القديمة ، وعزا إلى هذا التطور ذاته ما طرأ على المبادئ الخلقية التي لم يكن الإسلام في العصر الأول مستعدا لها ، وهكذا اشتمل الحديث على المبادئ ذات التقوى العالية الخالية من الظواهر وحدها ، فأصبحت تدور حول الرحمة سواء من عند اللّه أو من عند الإنسان . ويرى « جولد زيهر » أن الأعمال الدينية نفسها قد أصابها التطور ، فأصبحت قيمة العمل تقدر بالنية التي رفعت إلى عمله ، ومنه جاء الحديث « إنما الأعمال بالنيات » . وهو يرى أن هذا الحديث جاء متأخرا ، ومع ذلك فقد ارتفع شأن هذا الحديث - كما يقول - إلى أن صار فكرة تسيطر على كل الأعمال الدينية « 2 » . وذكر « جولد زيهر » أن التأثير الأدبي للتعاليم الدينية ترقّى بتطور « الحديث » وظهر مثالا لذلك له أهميته لتقدير الأفكار الدينية في الإسلام ، وهو مذهب القرآن في التوحيد الذي يعدّ الشرك أكبر الذنوب ولا يغفره إلا اللّه تعالى فيقول في هذا الصدد : « وفي تطور هذا التصور الاعتقادي الأولي ، كما يظهر في الحديث ، نرى أنه لا يدل على الشرك وتشويه عقيدة التوحيد فقط ، بل كذلك كل ضرب من العبادة يشتم فيها أن تمجيد اللّه غير مقصود لذاته . وكذلك أضيفت إلى هذه الدوائر جملة من النواقص
هامش
( 1 ) جولد زيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، ترجمة : محمد يوسف موسى وآخرين ، ص 43 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 44 .