تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
في هذا الميدان . وقد حاولنا الإتيان بآرائه ، ثم الرد عليها وتفنيدها قدر المستطاع . ورأينا فكرته حول هذه المصطلحات التي لم يحددها تحديدا دقيقا . بل إنه خلط بينها خلطا عجيبا . ثم رأينا كيف طعن في حجية السنة ، وأنكر مكانتها السامية في العصور الإسلامية الأولى ، وأرجع تلك المكانة السامية إلى التطور الذي شاب الأفكار الإسلامية في القرنين الثاني والثالث الهجريين . وبينا في معرض ردنا على هذه الشبهات خطل هذه الآراء ، ومجافاتها للحقيقة العلمية الداحضة . وبرهنا على أن السنة قد حظيت بهذه المكانة منذ الوهلة الأولى من الدعوة الإسلامية لأنها وحي من اللّه إلى نبيه مثل القرآن تماما . وأثبتنا ذلك بالشواهد والأدلة العلمية التي تؤيد وجهة نظرنا . ووصلنا إلى نتيجة علمية مفادها أن حجية السنة ومكانتها في التشريع لا يشك في أمرها . وأنها تأتي بعد القرآن في الاعتبار ، ولا يصار إليها إلا إذا لم يوجد في الكتاب ما يفي بذلك ، لأن ثبوتها في الغالب ظني وثبوت الكتاب قطعي ولا شك في أن القطعي مقدم على الظني . كما وصلنا إلى نتيجة أخرى مفادها ترادف الحديث والسنة وهما ينتهيان إلى النبي في أقواله المؤيدة لأعماله وفي أعماله المؤيدة لأقواله . ولا يسعنا في نهاية هذا المبحث إلا أن نشير إلى أن مصطلح « الخبر » يطلق على الحديث وعلى السنة . ورأينا ابن حزم يذهب هذا المذهب ويعتبرهما سواء اصطلاحا . وبالتالي فلا ضير من تسمية الحديث خبرا ، والخبر حديثا . وإنما يجب تمييز هذا المصطلحات عن « الأثر » وهو ما يضاف من أقوال وأفعال للسلف من الصحابة والتابعين . فإذا أتينا على دراسة مصطلحات الحديث والسنة وغيرها طبقا لما أوردناه ، فإن المنهج العلمي يقتضي منا دراسة تطور الحديث عبر العصور الإسلامية . فما موقف المستشرقين من ذلك ؟ هذا ما سنراه في المبحث الثاني من هذا الفصل .

المبحث الثاني المستشرقون وتطور الحديث في العصر الأموي

لم يؤمن المستشرقون بوجود السنة ومكانتها في التشريع في العصر الإسلامي الأول . ولكنهم أرجعوها إلى عملية التطور التي سادت الدولة الإسلامية وهي تبحث عن حلول لمشكلات جديدة لم تكن تواجهها في عصورها الأولى ، وقد استمرت هذه العملية في النمو والارتقاء شيئا حتى أصبحت مصدرا رئيسا من مصادر التشريع
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 419 | ساسي سالم الحاج