تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
في القرآن ، وإما مفسرة ومبينة لأحكام القرآن . ومن هنا لا مناص لنا من الاعتراف كما قال الشاطبي بأن « كل أدلة القرآن تدل على أن ما جاء به الرسول ، وكل ما أمر به أو نهى عنه ، فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن ، فلا بد من أن يكون زائدا عليه » « 1 » . وذهب الإمام ابن حزم إلى بيان سلطان السنة منذ البداية ، ولم تكن نتيجة التطور عندما ذكر أن القرآن هو الأصل ، وهو يأمرنا بطاعة رسوله ، ويخبرنا أن رسوله :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
. فاستنتج بذلك أن الوحي ينقسم من اللّه عز وجل إلى رسوله على قسمين : أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن ، والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو ولكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول اللّه ، وهو المبين عن اللّه عز وجل مراده منا لقوله :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
. ثم إن اللّه أوجب طاعة القسم الثاني لقوله :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
، وأن المراد بقوله :
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
هو الخبر عن رسول اللّه ( أي سنته ) « 2 » . وهكذا ترى أن مكانة السنة في التشريع محفوظة منذ البداية ، وتأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن ، وأن العلماء الأوائل قد اعترفوا لها بهذه المكانة استنادا إلى الآيات القرآنية التي تحدد حجيتها وسلطانها ، ولم تخضع لعوامل التطور بحيث أصبحت تحتل تلك المرتبة السامية في القرنين الثاني والثالث الهجريين فقط . ولكن الذي نود تأكيده في هذا الصدد ؛ أن الأحاديث الصحيحة الموثوق بها والثابتة سندا ومتنا هي التي ترقى إلى مرتبة التشريع القرآني . كما أننا نعترف بوضع أحاديث كثيرة على الرسول ليس لها أي أساس من الصحة ، وعلينا أن نتبين الصحيح من الموضوع حتى نفرق بينهما ، وتكون الحجة والسلطان للأحاديث الصحيحة ، ونطرح ما عداها من الأحاديث الموضوعة . وقد سبقنا إلى ذلك علماء المسلمين عندما وضعوا علم الجرح والتعديل لتصفية الأحاديث الصحيحة من الأحاديث المنحولة ونقدوا متن الحديث كما نقدوا سنده طبقا لما سنبينه في مقبل المباحث . هكذا درسنا في هذا المبحث مصطلحي الحديث والسنة والحدث ، وغيرها من المصطلحات العلمية المستخدمة في السنة النبوية . وأشرنا إلى أقوال المستشرقين عنها . واقتصرنا في هذا المبحث على رأي جولد زيهر وهو الذي يعتبره الغربيون حجة
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ج 4 ، ص 14 . ( 2 ) ابن حزم ، الإحكام في أصول الأحكام ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 97 .