تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
السنة مستقلة بتشريع الأحكام ، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ، وقال الإمام الشافعي وما سن رسول اللّه فيما ليس للّه فيه حكم ، فبحكم اللّه سنه ، وقد سن رسول اللّه مع كتاب اللّه ، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب . وكل ما سن فقد ألزمنا اللّه اتباعه ، وجعل في اتباعه طاعته ، وفي العنود عن اتباعه معصيته التي لم يعزر بها خلفا « 1 » . والسنة لها مكانتها السامية منذ نزول القرآن ولم تخضع للتطور الذي ذهب إليه « جولد زيهر » وصولا إلى هذه المكانة السامية ، ولم تكن السنة غير مسلّم بها في العصور الأولى ، ولم تأت ألوهية الحديث نتيجة التطور في القرنين الثاني والثالث الهجريين . وبيان ذلك أن القرآن خاطب نبيه بقوله :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
« 2 » . ومنذ نزول هذه الآية نبه اللّه إلى مكانة السنة في التشريع حالة كونها تفصل مجمله وتبين مشكله وتبسط مختصره . كما أن الاستقراء قد دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة ، لم ينص عليها في القرآن ، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ، والعقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر ، وهذه التشريعات المذكورة في السنة معروفة منذ الصدر الأول للإسلام ، ولم تأت نتيجة التطور والتدرج كما ذهب إلى ذلك جولد زيهر . ثم إن شعور العلماء الأولين بأثر السنة العظيم في توضيح الأصول القرآنية ، هو الذي حمل بعضهم على الحكم بأن السنة قاضية على الكتاب حتى قال الأوزاعي : « الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب » . وكان قصد الأوزاعي من هذه المقولة الإشارة إلى أن الحديث هو وحي يوحى إلى الرسول تطبيقا للآية الكريمة :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
. وفي هذا السياق قيل لمطرف بن عبد اللّه بن الشخير - وهو من كبار التابعين وتوفي بالبصرة عام 87 ه : لا تحدثونا إلا بالقرآن ، فقال للسائلين : واللّه ما نريد بالقرآن بدلا ، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا « 3 » . إننا نفهم من سلطان السنة أمرين ، فهي إما أن تكون مستقلة في التشريع بما ليس
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 88 - 89 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 44 . ( 3 ) الشاطبي ، الموافقات ، المرجع السابق ، ج 4 . ص 16 . ( 4 ) المرجع السابق ، ج 4 ، ص 26 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 417 | ساسي سالم الحاج