تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
المتواترة أصبحت لها قوة مساوية للقرآن وذلك طبقا لرأي الخصّاف المتوفى عام 261 هجرية ، وقد سانده « ابن قتيبة » في ذلك . وبرزت إلى الوجود ظاهرة أخرى وهي « إحياء السنة » التي أصبحت الغاية والهدف للسلف الأتقياء والحكام عندما ينعتون بأنهم أحيوا سنة الأولين ، وهكذا فإن من أحيا سنة ميتة فله أجرها وأجر من عمل بها . وتنافس المسلمون في ذلك حتى برهن المغاربة على أنهم أكثر إحياء للسنن من المشارقة حتى أفرطوا في ذلك . واستشهد « جولد زيهر » بذلك على واقعة قيام عالم في قرطبة بملاعنة زوجته في المسجد ، وصرح بأن غايته الوحيدة من ذلك هي إحياء السنة . وهكذا خرجت إلى الوجود تلك القاعدة التي تنص على أنه في موازاة إحياء السنة يجب إماتة البدعة . ونحن لو ناقشنا « جولد زيهر » في رأيه المتعلق بتطور سلطان السنة حتى أصبحت قاضية على القرآن ثم تطورها حتى أصبحت مساوية له في التشريع وإقرار الأحكام ، ثم تطورت بفعل الزمن حتى أصبحت مساوية له تماما في كل شيء ، فإننا نأخذ على آرائه العديد من المآخذ العلمية التي ربما سطرها عن سوء قصد ونية . فهو لا يسلم للسنة بهذا السلطان منذ العهد الإسلامي ، ولكنه يخضعه إلى التطور والحوادث الزمنية المتلاحقة التي أضفت عليها هذا السلطان التشريعي . والحقيقة خلاف ذلك لأن المقولة التي تنص على أن السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة لا يفهم منها ارتفاع السنة على مستوى القرآن ، ولا يفهم منها أن المسلمين قد غلّبوها على كتاب اللّه وقدموها عليه . ولا هي خاضعة في هذا الشأن لرأي المسلمين وأهوائهم . ولكن المقصود من ذلك أنها تقضي عليه وتبين المراد منه ، وفي هذا السياق قال الأوزاعي : الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب « 1 » . وفصّل الشاطبي في هذا الأمر تفصيلا لطيفا ، وبين أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه ، وإطراح الكتاب ، بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب ، فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ومعنى كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبيّنة له « 2 » . أما بالنسبة إلى حجية السنة وسلطانها فإنها لم تزدد شيئا فشيئا على مر العصور ولكنها كانت كذلك منذ العصور الإسلامية الأولى . فقد اتفق العلماء جميعا على أن
هامش
( 1 ) الشوكاني ، إرشاد الفحول ، المرجع السابق ، ص 33 . ( 2 ) الشاطبي ، الموافقات ، دار المعرفة ، ج 4 . ص 10 .