تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
السياسي ، وطالما سلك « جولد زيهر » هذا النهج في دراسته حينما حاول دراسة النصوص الإسلامية للنفاذ إلى المقاصد الكامنة وراءها ، وهي مقاصد طالما أعطى لها تفسيرات سياسية صرفة . ثم يستطرد « جولد زيهر » في إيراد العديد من الأحاديث والشواهد التاريخية التي تدل على منع البدعة في المدينة وتحريمها ، ولكنه يقول : إن الأمور لم تقف عند هذا الحد ، إذ عندما بدأت السنة تنتشر في البلدان الأخرى ، تميزت المدينة بأنها الحارس على المنهج السني ، وعم هذا التمييز كل البلاد . ثم أورد شواهد تاريخية أخرى تدل على انتشار منع البدع وتحريمها ليس في المدينة فحسب ، ولكن تجاوز إلى ما وراءها ليعم كل بلاد الإسلام « 1 » . ونحن لا نرى بأسا أن يعم تحريم ومنع البدع في بقية الأقطار الإسلامية الأخرى دون اقتصارها على المدينة فقط حتى وإن وردت صراحة في الحديث النبوي المنوّه عنه ، ذلك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وما دامت البدعة محرمة في المدينة فإنها بلا شك تكون محرمة في الأماكن الإسلامية الأخرى . ولكن الذي يتتبع سرد « جولد زيهر » لهذا الموضوع يلاحظ إيراده لعديد من الشواهد التاريخية والأحاديث النبوية التي عمّمت استخدام اللعنة على من أحدث أو آوى محدثا دون ذكر الكلام . وكأنه يريد أن يقول بهذا الاستنباط : إن هذه الأحاديث موضوعة ، وضعت بآخرة لمنع انتشار البدعة ، وهكذا يعود دوما إلى تقرير أحكامه المسبقة التي عمّمت استخدام اللعنة على من أحدث أو آوى محدثا دون ذكر الكلام . وكأنه يريد أن يقول بهذا الاستنباط : إن هذه الأحاديث موضوعة ، وضعت بآخرة لمنع انتشار البدعة ، وهكذا يعود دوما إلى تقرير أحكامه المسبقة والقاضية دوما بوضع الأحاديث النبوية لأغراض سياسية معينة أو لأغراض أخرى تعبدية . وتدل أسانيد حديث « تحريم المدينة » على صحته ، وإن أهل الحديث قد وثقوا بروايته ، وتأكدوا من صحة سنده ومتنه ، وبذلك فإن محاولة طعن « جولد زيهر » في صحة هذا الحديث بالزيادة أو النقصان لا يستند إلى دليل علمي صحيح . تعرض « جولد زيهر » إلى سلطان السنة وقوتها باعتبارها مبدأ مرشدا وهاديا لحياة المسلم . وإن هذا السلطان في حد ذاته قديم قدم الإسلام . وقد تعزز هذا السلطان
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 17 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 414 | ساسي سالم الحاج