تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
الجماعة ، وتجنب الفرقة والخلاف مهما كان الأمر ، وإطاعة ولي الأمر حتى لا يتفرق رأي الجماعة . وتذهب قوة المسلمين أشتاتا . وكان تأكيده ذلك إخبارا منه لما سيحدث في أمته من تفرقة واختلاف وحثهم على تجنبها . كما يفهم من هذا الحديث أيضا دعوة المسلمين إلى التمسك بسنة النبي وسنة أصحابه حتى لا يتشبهوا باليهود والنصارى ، والروم والفرس وغيرهم من الأقوام « 1 » . ومن هنا كان فساد استدلال « جولد زيهر » بهذا الحديث في هذا السياق . ويستطرد « جولد زيهر » في تقصي مفهوم السنة ومدى انتشارها بقوله : إن هذا الانتشار كان قبل كل شيء ، بين أهل المدينة الأتقياء ، ومن هنا كان طابع المدينة واضحا في الأمور التي تدعو إلى التمسك بالعادات الإسلامية القديمة ، وكذلك تلك التي تندد بالبدع الغربية عن تلك العادات والسلوكيات . وفي هذا الصدد أعلن الرسول أن المدينة هي مدينة مقدسة ، فلا يقطع شجرها ، ومن أحدث فيها حدثا لعنه اللّه وملائكته والناس أجمعون « 2 » . ويقول « جولد زيهر » : إن المراد ب « الحدث » هو البدعة السياسية وبمعنى آخر يقصد بها الانشقاق السياسي . إن وصف « جولد زيهر » للبدعة طبقا لما ورد في الحديث النبوي بأنها هي البدعة السياسية أو الانشقاق السياسي هو تعسف في التفسير والتأويل ، ومحاولة لتفسير النصوص خلافا لما عنتها . فالبدعة هي إحداث أي أمر مخالف للشرع مهما كان المقصود منها ، وسواء تناولت الأمور السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية . ولم ينصرف ذهن الرسول إلى كون النهي عن البدعة هو النهي عن الشقاق السياسي فقط . ولكنه أطلقها على كل أمر مخالف للشرع من معاملات وعبادات . ولكن قصد « جولد زيهر » لا يخفى علينا من هذا التفسير ، لأنه أراد أن يقول صراحة : إن هذا الحديث موضوع وضع بآخرة حثا للمسلمين على تجنب الفرقة والفتنة والشقاق
هامش
( 1 ) انظر مقال الصديق بشير ، المنشور في مجلة « الدعوة الإسلامية » العدد الثالث ، سنة 1986 ، ص 442 . وقد استند في تفسير هذا الحديث إلى رأي ابن تيمية في كتابه « اقتضاء الصراط المستقيم » الذي نوه عنه في هامش الصفحة المذكورة تحت رقم 35 . وأنا أرى أن هذا التفسير بعيد عن المقصود ، وإنما المراد به تجنب الفتنة والفرقة والشقاق من خلال التمسك بسنن الأجيال الإسلامية الأولى . ( 2 ) البخاري ، كتاب الاعتصام ، باب إثم من آوى محدثا .