ويتمسكون بمعتقداتهم وأصنامهم لأنهم وجدوا آباءهم لها عاكفين ، وبتلك السنن فاعلين ، وعلى آثارهم مهتدين . ولكن شتان بين مفهوم السنة في ذلك العصر ومفهومها في العصر الإسلامي . فهي ليست آراء عربية قديمة معدلة كما قال جولد زيهر ولكنها اتخذت مفهوما مغايرا لسنن العرب الوثنيين ، لأنها أصبحت مصدرا تشريعيا لها حجيتها في تقرير الأحكام ، وأصبح مصدرها إلهيا حالة كونها صادرة من اللّه ولكنها مروية بألفاظ الرسول ، ولأنها تناولت من الموضوعات والقضايا التي عالجت مشاكل ومفاهيم الدين الجديد ، ولأنها صدرت كأوامر إلهية لا يجوز التنكب عنها كما يستطيع العرب الجاهليون التنكب عن سنن أسلافهم ، وإن طاعة الرسول في ما يقوله أو يفعله أو يقرره واجب ديني لا مناص للمسلم من الالتفات عنه . ومن هنا فإن مفهوم السنة في العهدين مختلف ومتباين تمام الاختلاف . فالجاهليون يتمسكون بسنن أسلافهم تعصبا ، والمسلمون يتبعون سنة نبيهم تعبدا .
أما إذا قصد « جولد زيهر » من تلك العبارة « أن السنة عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة » هو إبقاء الإسلام على عادات وتراث الجاهليين بل واستقى معلوماته ومعارفه منها ومن المصادر الخارجية المتعددة ، فقد دحضنا رأيه هذا في كثير من المواطن ، وليس هناك مبرر لإعادة ما ذكرناه بالخصوص ، مع تشديدنا المطلق على أن الإسلام أبقى على العديد من أعراف وعادات العرب الصالحة وألغى الفاسدة منها . وهذا تشريع لا ضير عليه ما دام الإسلام قد جاء لبناء مجتمع صحيح ومن حقه الإبقاء على الصالح وإلغاء الطالح .
أما استشهاد « جولد زيهر » بحديث الرسول الذي يدعو المسلمين إلى تتبع سنن من كان قبلهم . . . الخ فهو قد شكك في هذا الحديث أولا لأنه قال عنه : « أسند إلى الرسول » ولم يقل : « قال الرسول » ثم إنه أساء شرحه ثانيا « 1 » ، لأن مراد الرسول ليس دعوة المسلمين إلى التمسك بسنن أسلافهم الجاهليين ، ولكنها دعوة إلى التمسك بسنة الرسول وآثار الصحابة الجلّة ، وعدم الاختلاف والتفرقة مستقبلا ، وعدم الخروج على الجماعة ، وتفادي الفتنة بقدر الإمكان . وقد أخبر النبي عن هذه الأمور جميعا في أحاديث أخرى ، ودعا المسلمين إلى التمسك بالسنة الصحيحة والدخول في رأي
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 15 .