والبدعة الحسنة هي التي تدخل في نطاق البدعة الواجبة أو البدعة المندوبة والبدعة المباحة . ولا غبار على الابتداع في هذه القضايا التي تخدم مصلحة الإسلام والمسلمين كالحث على طلب العلم ، وبناء المدارس والمستشفيات . والأخذ بأسباب الحضارة والتقدم ، والتوسع في الاستمتاع بطيبات الحياة المباحة ، فهذه أمور وإن كانت ليست معروفة تماما في العهد الإسلامي الأول إلا أن تطور الحياة المادية والفكرية للمسلمين بعد حركة الفتوحات الواسعة جعلت الأخذ بها من البدع الحسنة التي لا غنى عنها في تقدم المسلمين ورقيهم .
تعرض « جولد زيهر » في « دراساته الإسلامية » إلى تطور السنة بعد تحديده للعديد من المصطلحات المتعلقة « بالحديث » و « السنة » و « الحدث أو البدعة » ، وذكر أن مفهوم السنة منذ ظهور الإسلام عبارة عن منهج حياة ونظام اجتماعي مطابق لروح التشريع الإسلامي باعتبارها المعيار الصحيح لتصحيح نظام الحياة الفردي والجماعي « 1 » .
ثم يقول « جولد زيهر » : إن العرب لم يبتدعوا هذا المفهوم ولا تطبيقاته العملية .
لأنه وجد سلفا لدى العرب الجاهليين ، وكانت السنة في مفهومهم هي كل ما يتفق وعادات العرب وتقاليدهم وأخلاقهم . وبهذا المعنى ذاته استخدمت كلمة « السنة » في العهود الإسلامية في الأوساط العربية التي لم تتأثر بالنفوذ الإسلامي إلا قليلا . إلا أن هذا المفهوم القديم للسنة قد تغير تحت تأثير الدين الإسلامي ، فأصبح المقصود من « السنة » كل أفعال النبي وأصحابه الأوائل . ومن هنا كان تعلق المسلمين بالسنة كتعلق العرب الوثنيين بسنن أسلافهم . وهكذا فإن المفهوم الإسلامي للسنة هو عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة . ونسب في هذا الصدد إلى الرسول قوله : « لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم » ، قلنا : يا رسول اللّه اليهود النصارى ؟ قال : « فمن » « 2 » .
وفي المقطع السابق يعود « جولد زيهر » كعادته إلى رد ما هو إسلامي إلى العوامل الداخلية والخارجية بحيث ينفي عنه كل أصالة أو تجديد أو ابتكار . فنراه يقول : إن مفهوم السنة هو عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة . ونحن لا ننكر أن العرب الجاهليين كانوا يطيعون أسلافهم ، ويعبدون آلهتهم ، ويهتدون بسنن أجدادهم ،
هامش
( 1 )Ibid , p . 14 .( 2 ) البخاري ، كتاب الاعتصام ، باب لتتبعن سنن من كان قبلكم .