تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
السامعين والقراء - الذين لا معارف دينية لهم - لهذا التفريق . فهذا « مالك » يقول ل « شداد » آملا في أن يعترف ببنوة عنترة صراحة - : والرأي عندي أنك تسن هذه السنة في العرب ، وتجعلهم يتبعونها لأن الشمائل الحميدة تستدعي الحمد طالما لم تكن بدعة أو منكرا » . ومع ذلك لم يعر المتشددون لهذا التفريق اهتماما إلا أنه تركز في الحياة العامة في كل مكان - بالرغم من بعض المقاومة له - ولكنه قدم المبررات والدوافع للموافقة على إدخال تنظيمات جديدة كاملة . والمطلوب شيء من الإرادة الحسنة وصولا إلى التسامح وإجازة أشياء مناقضة للإسلام تحت شعار البدعة الحسنة « 1 » . ونحن نستنتج من كلام « جولد زيهر » السالف ذكره إخضاعه البدعة لتطور الحياة الإسلامية ، وأنها قد صنفت وطورت بناء على حركة المجتمع الذي تدفعه الحياة إلى الأخذ بالجديد ونبذ القديم . وليس هناك مخرج - حسب رأيه - إلا إيجاد الأسس الدينية التي تسمح بذلك التغيير . وهو من هذا المنظار يشير إلى حديث الرسول الذي يراه قد انصب أساسا على إعطاء الشرعية الدينية لمقولة الشافعي حول البدعة الحسنة والبدعة السيئة . وانظر إليه يقول لك : « إن وجود هذا التمييز يستلزم نصا شرعيا » ثم يورد حديث الرسول المطابق لرأي الشافعي . وكأن الحديث النبوي وضع أصلا لتعزيز رأي الشافعي حول هذه القضية حتى يجد سندا دينيا يبرر مشروعيته . ثم يستطرد في هذا السياق إلى أن ينسب إلى رواة القصص الشعبية العربية تفرقتهم بين السنة الحميدة والسنة المذمومة . والحقيقة التي لا مراء فيها أن البدعة مهما كان نوعها لم تتطور طبقا لاحتياجات المجتمع الإسلامي ، ولكن هذا التقسيم يرجع إلى العصر الإسلامي الأول حيث قاوم التيار المحافظ العديد من الأفعال التي اعتقد أصحابها أنها بدعة سيئة تناقض السنة الحسنة ، ثم تطورت الأفكار ، ونتيجة اختلاط العرب بالأعاجم ، ومواجهة المسلمين لمشاكل جديدة ، وأنماط حياة مغايرة للتي كانوا يعرفونها ، أخذوا يتوسعون في مفهوم البدعة ، ففرقوا بين البدعة السيئة وهي المحرمة شرعا لأنها تتناقض والمبادئ الإسلامية الواضحة ، بل وأخضعوا البدعة إلى أنواع الحكم التكليفي المعروفة ، ومن هنا وجدنا بدعة واجبة ، وبدعة محرمة ، وبدعة مندوبة ، وبدعة مكروهة ، وبدعة مباحة ، وتخضع كل بدعة للحكم التكليفي الخاص بها .
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 30 .