تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
وغيرها . ولكن هذا الاستنتاج ليس صحيحا ، لأن هؤلاء الغلاة لم يكونوا منقادين بأوهام البدع لاجتناب هذه الأمور التي لا علاقة لها بالقضايا الاعتيادية ، ولكن أملتها حقائق التطور الطبيعية نظرا لعدم معرفتهم هذه الأدوات ، وها نحن نرى الوهابيين يشربون القهوة بعد أن انتشر استعمالها ، ويستعملون أدوات الأكل الحديثة ، ولكنهم يحرمون الدخان باعتباره يلحق ضررا بالأبدان قياسا على الخمر ومن هنا جاء تحريمهم له ، وليس خشية الابتداع والحيدة عن السنة الصحيحة . أما استشهاد جولد زيهر بمقطع استشهد به الإمام الرازي من إنجيل يوحنا المترجم إلى العربية ، فقد ورد بهامش كتابه رقم « 6 » ص 26 : إن محمدا استقى معارفه من الأناجيل وآية ذلك أنه أورد الآية 27 من سورة الحديد والتي جاء فيها
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
. فهذا رأيه دوما وهو يحاول من خلال دراسته هذه تلمس المصادر الخارجية للقرآن . ويحاول تفسير كل مصطلح أو مقطع ورد في القرآن برده من حيث تأصيله التاريخي إلى الكتب المقدسة القديمة حتى وإن كان سياق الكلام لا يؤدي إلى ذلك . ثم يشير « جولد زيهر » إلى تطور النظرة إلى البدعة ، ومحاولة علماء المسلمين التخفيف من غلواء التعصب للسنة ، وذلك عند ظهور مشكلة الأفكار الإسلامية المتفقة مع حاجات الحياة العملية ، فظهر التفريق بين البدعة الحسنة أو البدعة المحمودة ، وبين البدعة السيئة أو البدعة المذمومة . ويستشهد بهذا الخصوص بقول للإمام الشافعي جاء فيه : « المحدثات من الأمور ضربان ، أحدهما : ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا ، فهذه البدعة الضلالة . والثانية : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة » ، ووجود هذا التمييز يستلزم نصا شرعيا ووجد ذلك في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينتقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » « 1 » . واستطرد « جولد زيهر » في استعراض تطور البدعة وتقسيمها إلى الحسنة والسيئة طبقا لاحتياجات المسلمين إلى أن القول بأن التفريق بين السنة الحسنة والسنة السيئة قد عم العالم الإسلامي ، كما أصبح مألوفا لدى الرجل العادي ، بل ودخل الشعر العربي أيضا . وهكذا فإن رواة قصة عنترة والقصص الشعبية الأسطورية الأخرى افترضوا معرفة
هامش
( 1 ) مسلم ، كتاب العلم ، باب من سن سنة حسنة أو سيئة .