تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
والإقرارات الضمنية أو أعمال النبي التي لم يتطرق إليها الشك ، وفي هذا المفهوم الأخير يشترك مع علماء المسلمين في تعريفهم للسنة ، ولكنه أرجع ذلك الاختلاف في الاصطلاحات إلى التطور الذي حصل في السنة ، ومن هنا كان إعطاؤه لها مفاهيم متعددة وأحيانا متناقضة . والحقيقة التي لا مناص منها أن مصطلح الحديث والسنة يؤديان إلى معنى واحد ومفهوم واحد كما أشرنا في صدر هذا المبحث وهما أخيرا ينتهيان إلى النبي في أقواله المؤيدة لأعماله ، وفي أعماله المؤيدة لأقواله . وبذلك فهما مترادفان . تعرض « جولد زيهر » إلى التأصيل التاريخي لمصطلح « السنة » وعزاها إلى العرب قبل الإسلام الذين كانوا يتمسكون بسنة أسلافهم . وهو يرى أن السنة في المفهوم الإسلامي عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة . وجولد زيهر يضرب دائما على هذا الوتر في كافة دراساته الإسلامية ، فهو يرجع كل شيء إسلامي إمّا إلى عوامل داخلية كفقه الجاهليين وأعرافهم ، وإمّا إلى عوامل خارجية كاليهودية والنصرانية واليونانية . ثم إنه أراد أن يقيس اتباع المسلمين للسنة كاتباع الجاهليين لسنن أسلافهم ، وهو تخريج مبتسر فكأنه أراد التشديد على أن الطبيعة العربية في اتباع سنن وطرق وعادات الأسلاف لم تتغير في العصر الإسلامي الأول ، ولكنه نوع من طبائع النفوس العربية جبلت عليها على مدى الدهر ، وموصومة بالتعصب ، ولا يجيزون الخروج عليها مهما كانت طبيعتها . وهذا الكلام لا أساس له من الناحية الواقعية ، لأن المسلمين عندما أطاعوا السنة النبوية فلأنهم مأمورون بذلك باعتبارها وحيا معبرا عنه بألفاظ الرسول ، وباعتبارها تسن القوانين والقواعد الشرعية ، الواجب عليهم اتباعها ، وباعتبارها مؤكدة ومفسرة وشارحة للقرآن الكريم . أما عبارة « جولد زيهر » التي أعاد تكرارها في العديد من دراساته من أن « المفهوم الإسلامي للسنة عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة » فطالما أشرنا إلى خطل هذا الرأي في المباحث السابقة ، وطالما أكدنا احتواء الشريعة الإسلامية للكثير من أعراف الجاهليين الصالحة ، وإلغاءها للأعراف الفاسدة ، وكثيرا ما نوهنا بأن منهج الأثر والتأثر الذي سلكه المستشرقون في الدراسات الإسلامية لا يؤدي إلى نتائج علمية صحيحة . فالأثر والتأثير لا غبار عليه من الناحية الواقعية والمنهجية ، ولكن استخدامه بصورة متعسفة يؤدي إلى تجريد الإسلام من مبادئه وأسسه السليمة هو الذي يؤخذ عليه علميا وموضوعيا . وما دام الإسلام قد أبقى على الكثير من الأعراف العربية القديمة شريطة ألا تخالف دليلا شرعيا ولا قاعدة إسلامية أساسية فلا غبار عليه