تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
ولكننا إذا فهمنا إيراد ابن ماجة للحديث بالصورة التي نقلناها عنه بالورع الذي حمله على إيراد هذا التعبير ، فإننا لا نفهم من كلام « جولد زيهر » هذه النتيجة حينما يقرر أن العبارة التي تلقاها جمهور المؤمنين بنوع من الرضا عن عبد اللّه بن مسعود - والتي لم ينسبها إلى الرسول - وقاموا بنشرها على مدى عريض قد نسبت إلى محمد نفسه لقوله حاضا على التكتل : « إن أحسن الحديث كتاب اللّه تبارك وتعالى ، قد أفلح من زينه اللّه في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه » . ولكننا نفهم شكه في هذا الحديث ، ووصفه إياه بالوضع ، لأنه قال : كان الحديث هكذا كما روي في سيرة ابن هشام في أول الأمر « 1 » ، ثم تبين بعد أيام من ذلك أن تسمية القرآن بالحديث أمر غير مرغوب فيه ، فاستبدلت عبارة « أحسن الحديث » ب « أحسن الكلام » ولا ندري كيف تأكد « جولد زيهر » من أن تحريف هذه المصطلحات وتغييرها قد حصل بعد أيام . والسنة لغة تعني الطريقة والسيرة محمودة كانت أو مذمومة ، لقوله عليه السلام « من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » « 2 » . أما معنى السنة شرعا فقد أشرنا إلى مدلولاتها المختلفة طبقا لدارسيها . ولكنها تعني الطريقة ، فالسنة خاصة بأعمال النبي ، والحديث يشمل قول النبي وفعله . ومن هنا نفهم تلك المصطلحات الواردة على ألسنة العلماء والمحدثين كقولهم أحيانا « هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع » . وقولهم : « إمام في الحديث ، وإمام في السنة ، وإمام فيهما معا » . وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم الآخر ، كأنهما متغايران في كل وجه ، حتى ذكر ابن النديم كتابا بعنوان « كتاب السنن بشواهد الحديث » « 3 » . كان العرب قبل الإسلام يعرفون السنة باسم الطريقة . . . وعرفوا ما يناقضها وهي « البدعة » وعرفوا كذلك أن لفظة « حديث » من سياق الأساطير والخرافات تعني تلك
هامش
( 1 ) ابن هشام ، السيرة النبوية ، ط 3 ، ج 2 ، ص 146 . تحقيق السقا والأبياري وشلي ، 1971 م ، وقد أورده جولد زيهر في هامش كتابه رقم 5 ص 4 . ( 2 ) مسلم ، كتاب العلم . ( 3 ) د . صبحي الصالح ، في علوم السنة ، المرجع السابق ، ص 6 .