تقرير الأحكام التعبدية والعملية ، فإن للسنة تقسيما آخر بحسب صدورها عن الرسول ذاته . فهي إمّا أن تكون سنة قولية ، كالأحاديث التي قالها الرسول شفاهة وسمعها منه أصحابه سواء أكانت روايتهم لها بالسماع أو الكتابة ، وإمّا أن تكون سنة عملية ، وهي الصادرة عن فعل الرسول ذاته كالوضوء والصلاة وشعائر الحج وقلّده المسلمون في ذلك ، وأخيرا فإنها تكون تقريرية كأن يعلم الرسول بقول أو فعل فلا ينكره ولا ينهى عنه ، وهذا النوع إمّا أن يكون بالسكوت وعدم الإنكار ، وإمّا أن يكون عن طريق السكوت مع الاستبشار .
والسنة باعتبارها من المصادر الأصلية للشريعة الإسلامية إلّا أن مكانتها تأتي بعد القرآن الكريم ، فلا يمكن اللجوء إليها إلّا إذا لم يوجد في القرآن نص يوضح ذلك لأن ثبوتها غالبا ما يكون ظنيا ، وثبوت الكتاب قطعيا .
أما منزلة السنة من الكتاب بالنسبة للأحكام الواردة فيهما فإنها ترد على عدة وجوه منها : أن تكون موافقة لما جاء في الكتاب ومطابقة لما دلّ عليه من الأحكام فتكون مؤكدة بذلك للكتاب أو مقررة له . ومنها : أن تكون شارحة للكتاب ومبينة لما جاء فيه من النصوص المحتاجة إلى البيان وهي في هذه الحالة إمّا أن تكون مفسرة لنصوص الكتاب المجملة ، أو مخصصة للعام منها ، أو مقيدة لمطلقه . ومنها : أن تكون ناسخة لحكم ثبت بالكتاب وفي هذا خلاف كما رأينا في الفصل الأول من هذا الكتاب ، وأخيرا فإن السنة قد تأتي بحكم جديد سكت عنه الكتاب كثبوت ميراث الجدة ، ووجوب صدقة الفطر ، ورجم الزاني المحصن وغيرها من الأحكام .
والحديث والسنة لفظان مترادفان متساويان ، إلّا أنه توجد بينهما بعض الفروق الدقيقة سنتعرض لها في حينها . ويرادف الحديث الخبر ، لأن التحديث يعني الإخبار ، وحديث الرسول هو عبارة عن الخبر المرفوع إليه ، إلّا أننا يجب أن نلاحظ استعمال هذه المصطلحات الدقيقة في سياقها الواردة فيها . فالأخبار تعني بالدرجة الأولى الحوادث التاريخية والإخبار عنها ، وإبلاغها من السلف إلى الخلف ، والحديث يراد به الأخبار المرفوعة إلى الرسول المروية عن طريق الرواة المشهود لهم بالإسلام ، والعدالة ، والبلوغ ، والأمانة وغيرها من الصفات العلمية والخلقية التي يمتاز بها كل راوية وكل طالب علم يطبق المناهج العلمية الصحيحة على موضوع بحثه . وكما يختلف الحديث عن الخبر فهو أيضا يختلف عن « الأثر » وهي الأخبار المروية عن
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 399
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٩٩