إلى محسوس ، وأن يستوي طرفاه وواسطته في هذه الصفات وفي كمال العدد ، فإذا نقل الخلف عن السلف وتوالت الأعصار ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر لم يحصل العلم بصدقهم لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه ، وأخيرا أن يكون المخبرون قد انتهوا في الكثرة إلى حدّ يمتنع معه تواطؤهم على الكذب « 1 » . والشرط الأخير محل خلاف بين العلماء إلّا أن الرأي الراجح هو الذي يقول بتحقيق التواتر عند توافر عدد معين من الرواة دون حصرهم في عدد معين ، والمدار في ذلك يرجع إلى حكم العقل ، فإذا قضى العقل بأن الرواة للحديث لا يتوهم اتفاقهم على الكذب عادة كانوا من جموع التواتر من غير تقيد بعدد معين .
وحكم السنة المتواترة بإجماع الفقهاء أنها ثابتة عن الرسول قطعا فيجب العمل بها ، ولا مجال للاختلاف في الأحكام التي تدل عليها إلّا إذا كان اللفظ الوارد فيها ظنّي الدلالة . ولكن يجب علينا الإقرار أن هذا النوع من السنة قليل جدا خاصة في السنن القولية ، بل إن بعضا منهم قد أنكر وجودها أصلا ، ولكنها موجودة في السنة العملية التي قام بها الرسول عمليّا وقلده فيها أصحابه ككيفية الوضوء ، والصلاة ، والحج وغيرها من شعائر الدين المذكورة إجمالا في القرآن والمبسوطة تفصيلا في السنة .
والسنة المشهورة هي ما رواه عن الرسول عدد من الصحابة لا يبلغ حدّ التواتر ثم تواترت في عهد التابعين وتابعي التابعين ، ومن هنا تكون السنة المشهورة غير مقطوع بنسبتها إلى الرسول ، وإنما يقطع بنسبتها إلى الراوي لها من الرسول . وحكم هذا النوع يفيد الطمأنينة والظن القريب من اليقين « 2 » .
أما سنة الآحاد فهي ما رواها عن الرسول عدد لا يبلغ حد التواتر وكذلك في العصر الثاني والثالث . وحكمها أنها لا تفيد العلم وإنما تفيد الظن ، ومن هنا لا يصح الاعتماد عليها في الأحكام الاعتقادية وإنما يعمل بها في الأحكام العملية إذا تحققت شروطها .
وإذا كان التقسيم السابق للسنة يستند إلى روايتها لاستظهار مدى حجيتها في
هامش
( 1 ) أ - الغزالي ، المستصفى ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 134 .
ب - الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 37 - 38 .
ج - الشوكاني ، إرشاد الفحول ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 47 .
( 2 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 58 .