يتناولوا هذه القضية بدراسة معمّقة بالرغم من النتائج الخطيرة التي استنتجوها منها وأهمها عدم ثبات النص القرآني ، وعدم ألوهية مصدره ، ما دام خاضعا للتبديل والتعديل تحت ستار النسخ . وحاولنا الرد على هذه الشبهات من خلال بيان أهمية النسخ وحكمة إقراره التي تتجلى في تحقيق مصالح الناس أولا ، والتدرج في التشريع لتتقبله النفوس بالرضا ثانيا ، ولإزالة التعارض بين الأدلة الشرعية ثالثا .
إن هذه المرحلة الطويلة التي قضيناها بين ربوع السور القرآنية ونحن نتقصى كيفية نزولها ، وطريقة جمعها وترتيبها وتدوينها ، وتكييف الوحي الإلهي النازل بها ، ونفي الاضطراب وعدم الثبات عنها ، وإنكار تأثرها بالعوامل الداخلية والخارجية المحيطة بها ، وتتبع الأحرف السبعة النازلة بها ، وعدم صلاحية ترجمتها إلّا بالمعنى ، والتفسير الخاص بها ، وبيان الحروف المتقطعة المبدوءة في أوائلها ، وتشديدنا على صحتها المطلقة وألوهية مصدرها ، وعدم العبث بها ، تجعلنا نطمئن ولو قليلا إلى أوجه الدفوع والدفاع التي قدمناها لها ونحن نجادل المستشرقين بالحسنى والمنطق والحجج العلمية على الشبهات التي أوردها عليها . ومع ذلك فإننا لم نمس الموضوع إلّا مسا رقيقا . ويكفينا أن ندلي بدلونا في هذا الموضوع الخطير بين الدلاء ، ونحن نستشعر الزاد العلمي القليل الذي تزودنا به ، وهي محاولة جادة لاستعراض آراء المستشرقين حول كتابنا المقدس ثم الرد عليها بالمنطق السليم والبراهين الدامغة حتى نعطي ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه .
فإذا كان المستشرقون قد تناولوا القرآن الكريم بالدرس والتدقيق والتمحيص ، فإنهم لم يهملوا المصدر التشريعي الإسلامي الثاني وهي السنة النبوية ، فما آراؤهم حولها ؟ . وما شبهاتهم التي دبجوها عنها ؟ . وما مناهجهم العلمية التي سلكوها في دراستها ؟ . هذا ما سنعرفه في الفصل الثاني من هذا الكتاب .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 396
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٩٦