تفيد بأنه ليس هنالك كتاب منزل يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما يوجد في القرآن . وقد طوّع معارفه ومعلوماته للتثبت من صحة هذه الفرضية الموسومة بالأحكام التعسفية المسبقة .
وليّ عنق الحقائق وتدليسها مرات عديدة للوصول إلى غاياته . وقد وصلنا إلى نتيجة تغاير ما صرّح به ومفادها تمسك المسلمين بصحة نصهم القرآني والذين لم يسمحوا لأي أحد مهما كانت صفته وعلا قدره أن يعير فيه من تلقاء نفسه أو يقرأه بالمعنى استنادا إلى الأحرف السبعة .
6 - تعرضنا بتفصيل وإسهاب إلى الشبهات التي أوردها المستشرقون حول خصائص القرآن المكي والقرآن المدني ، وأطلنا في إيراد النصوص التي أذاعوها وتتبعنا افتراضاتهم واستنتاجاتهم التي وصلوا إليها . ثم حاولنا الرد على تلك الشبهات بالدليل العلمي والحجة القاطعة . وأثبتنا أنه لا خلاف جوهريا بين النص المكي والنص المدني . وأقررنا بتنوع المواضيع المطروحة في كلا المكانين وهي نتيجة طبيعية أملتها الظروف المختلفة التي مرت بها الدعوة الإسلامية زمانا ومكانا وموضوعا . ونفينا أن يكون التمييز بين النصوص راجع إلى تأليف النبي للقرآن لمواجهة الظروف المستجدة والمشاكل المستعصية التي تواجهه . وأثبتنا أن القرآن وإن اختلفت أحيانا خصائصه شكلا وموضوعا في مكة والمدينة فلأن القرآن كتاب يصور لنا البيئة الاجتماعية العربية أروع تصوير وأدقه . وأنه من الطبيعي أن يخاطب القرآن العرب بما يفهمونه ، وما يلمسونه وما يشاهدونه في حياتهم اليومية العادية . ومن الطبيعي أن يخاطب القرآن كذلك عقولهم وقلوبهم طبقا للتدرج الحضاري الذي وصلوا إليه . ومن هنا كان قولنا : إن القرآن يمثل البيئة العربية بأخلاطها وأوشابها وتضارب القيم فيها . إلّا أن صحة النص القرآني وألوهية مصدره لا يتطرق إليهما الشك بالرغم من الاختلاف الظاهري في الآيات القرآنية المكية والآيات القرآنية المدنية شكلا وموضوعا .
إن خصائص القرآن المكي والمدني أثارت شبهات عويصة وخطيرة في آن واحد .
واستلزم منا دحضها التعرض إلى آراء المستشرقين أولا ، ودراستها دراسة وافية ثانيا ثم الرد عليها بالدليل والبرهان العلميين ثالثا . وهذا هدفنا ومبتغانا في هذه الدراسة كلها .
7 - عالجنا معضلة النسخ القرآني وآراء المستشرقين حولها بصورة مقتضبة ، لأنهم لم
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 395
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٩٥