غموض سواء تلك المنظمة للعبادات أو المعاملات ، وفندنا زعم من ذهب إلى تأثر القرآن بشعر أمية أو امرئ القيس ، وأثبتنا استحالة تأثر النبي ببحيرى الراهب أو ورقة بن نوفل المتحنّف النصراني ، واستبعدنا أثر اليهود والنصارى على النص القرآني بما يحتويه من أحكام تعبدية ودنيوية ، وذلك بعد أن بسطنا القول في كيفية دخول هاتين الديانتين إلى الجزيرة العربية . ورأينا ضحالة الحياة العقلية والثقافية لليهود والنصارى في الجزيرة العربية بحيث نستبعد من خلالها أي أثر لها في النص القرآني ، وأوردنا نماذج محددة برهنا من خلالها على ذلك الاختلاف الواضح بين نصوص كتب هاتين الديانتين وبين النص القرآني . وأسهبنا في شرح الاختلاف القائم بين هاتين الديانتين والديانة الإسلامية من حيث العبادات والمعاملات ، ووصلنا من خلال استعراضنا المسهب لهذا الموضوع إلى نتيجة علمية مفادها عدم تأثر القرآن وبالتالي الدين الإسلامي بالعناصر الداخلية والخارجية المزعومة واستناده إلى الوحي الإلهي دون سواه .
3 - درسنا بعمق وتحليل ظاهرة الوحي الإلهي ، وأثبتنا وجودها شرعا وعقلا ، وأشرنا إلى مراتبها وأنواعها ، واستعرضنا آراء المستشرقين حولها والذين أجمعوا على إنكارها ، واستحالة تحقيقها لدى النبي العربي مع تسليمهم بوقوعها للأنبياء الآخرين ، ورأينا تلك التفسيرات المبتسرة التي أطلقوها على الرسول وهو يتلقى الوحي من ربه ، فأحيانا يرجعون ذلك إلى المرض والهلوسة وانفصام الشخصية ، وأحيانا يرجعونها إلى العوامل النفسية والسيكولوجية ، وأحيانا يفسرونها « بالخيال الخلّاق » واللا شعور ، واللاوعي الجماعي ، وأحيانا يرونها حالة من الحالات التي تعتري المتصوف وهو يمرّ بمراحل الصوفية قبل وصوله إلى الاتحاد باللّه والحلول فيه ، وبعد استعراضنا لتلك الآراء مجتمعة حاولنا تفسيرها ودحضها . وذلك بعد أن أبطلنا الادعاءات التي تصف الرسول بالمرض والهلوسة وانفصام الشخصية ، وبعد أن دحضنا نظرية الخيال الخلاق واللا شعور ، وبعد أن أثبتنا وعي الرسول بما يوحى به إليه تفصيلا وإعادة ما يتلقاه من الوحي بدقة بالغة ، ودلّلنا بحجج سائغة أن الصرع والأمراض النفسية تعطل الإدراك الإنساني أما الوحي فهو سمو روحي اختص اللّه به نبيّه الذي يعي وعيا كاملا بما يوحى إليه ، واستبعدنا التفسير المادي للوحي الإلهي الذي زعم القائل به أن الرسول لم يبشر بدين جديد ولكنه أتى بدعوة إصلاحية اجتماعية واقتصادية ليس إلّا . ودحضنا تلك النظرية التي
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 393
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٩٣