فقه الجاهليين وعاداتهم وتقاليدهم من جهة ، وعلى الكتب المقدسة القديمة كالتوراة والإنجيل ، وعلى عناصر يونانية وفارسية وهندية من جهة أخرى . وكأنهم في هذا التحليل يجردون الإسلام ومبادئه من كل أصالة ذاتية سواء بيئية أو دينية .
ثالثا : حاولنا بعد استعراض آراء المستشرقين حول القضايا التي أشرنا إليها أن نحلل تلك الآراء ، وأن نخضعها لمعيار التمحيص والتدقيق العلميين ووصلنا بموجبها إلى عدة نتائج يمكننا تلخيصها على النحو التالي :
1 - إن قيام المستشرقين بترجمة القرآن الكريم كان الغرض منه تحقيق أهداف دينية صرفه حتى يتمكنوا بعد الاطلاع عليه - من معارضته ، ونقض أحكامه ، وتشويه أسلوبه وبلاغته ، والنيل من إعجازه ، فجاءت تلك الترجمات مبتسرة ومذيلة بتعليقات وانتقادات متميزة ، وبعيدة عن ترجمة نصّه الصحيح . وعندما تطور الاستشراق طبقا للأهداف التي يبغي تحقيقها لجأ صنّاعه إلى ترجمة القرآن للطعن في صدقيته سعيا إلى تحطيم معنويات الشعوب الإسلامية وكسر معتقداتها وتشكيكها في صحة كتابها المقدس . وعندما قام المستشرقون بترجمة القرآن في العصور المتأخرة لتحقيق الأهداف العلمية الصرفة حسبما يدعون ، فإن ترجماتهم جاءت في الغالب الأعم ركيكة ، وغير دقيقة ، وأحيانا مناقضة للأصل لاستحالة ترجمة القرآن الكريم بمعانيه الأولية والثانوية ، ولعدم قدرة محاكاة الأسلوب القرآني لبلاغته وإعجازه ، ولجري الكثير من أساليبه على المجاز لا على الحقيقة ، ومن هنا كان صواب ذلك الرأي الذي يناديه باقتصار ترجمة القرآن على معانيه وتفاسيره وليس على ألفاظه وأساليبه .
2 - حاولنا تفنيد آراء المستشرقين حول مصادر القرآن الداخلية والخارجية ، وأثبتنا بالأدلة والحجج العلمية خطل هذا الرأي وعدم صدقيته ، وأشرنا إلى مصادر الفقه الجاهلي التي زعم المستشرقون أن النبي استقى منها معلوماته وأودعها في كتابه ، ورأينا أن الإسلام حافظ على الأعراف الصالحة وألغى الفاسدة منها . وهو تصرف طبيعي يتماشى مع الفطرة السليمة ، ولا ضير على الإسلام من الإبقاء عليها طالما كانت هذه الأعراف والأحكام تتماشي وفلسفة التشريع الإسلامي لتحقيق مقاصده التي جاء من أجلها . وتعرضنا إلى عقيدة الحنفاء ، وبينّا غموضها ، وأوضحنا تصرفات أتباعها التي يغلب عليها الطابع الديني ، واستنتجنا منها استحالة تأثر القرآن بها وهو الذي يحتوي على تعاليم وأحكام واضحة جلية لا لبس فيها ولا
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 392
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٩٢