تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
بها ، ولكن اللّه أجاب بأنه يملك الحرية المطلقة في فعل ما يشاء وتعديل رسالته كيفما يبتغي . ألم تكن حكمة اللّه اقتضت مراعاة الضعف الذي يعتري البشر فيخفف من الواجبات الملقاة عليهم وذلك بنسخها وإحلال أحكام أخرى أخف منها لمصلحتهم ؟ « 1 » . نستنبط من أقوال المستشرقين الآنفة ، وآرائهم التي لم نذكرها أن النسخ وسيلة لجأ إليها الرسول في تغيير الأحكام التي كان قد أذاعها في السابق ثم عدل عنها لاحقا لعدم تماشيها والمعطيات الجديدة التي بدت له في المشاكل المطروحة عليه . ونستنبط من هذه الآراء أن النسخ قد لجأ إليه المسلمون في إزالة التعارض بين الآيات المتناقضة ، وبين الآيات والأحاديث المتعارضة . وأنه بالنسبة إليهم لا يمكن الإقرار بحكمة النسخ طبقا للنظرية الإسلامية التي ترى وقوعه في الشريعة الإسلامية من جهة ، ووقع بنسخ هذه الشريعة لكل دين سبقها مع نسخ بعض أحكام هذا الدين لبعض من جهة أخرى ، لأنهم لا يؤمنون بالتطور والتدرج في التشريع كما يؤمن به المسلمون ، ولا يعتقدون أنه بالنسخ يمكن تفسير ذلك التدرج الذي تمليه ضرورة تطور المجتمع من حالة إلى أخرى ، وأن الضرورة تستدعي الانتقال خطوة خطوة حتى يمكن للأمة تقبل الأحكام الجديدة دون تلقيها طفرة واحدة فتواجه بالرفض ، لأنهم يرون أن هذه الأحكام والشرائع ما دامت قد صدرت عن اللّه فهو يعلم مسبقا مدى تقبل عباده لها من عدمه . وبالتالي فإنه ليس في حاجة إلى إقرار هذه الأحكام والواجبات بطريق التدرج حتى تتعوّدها الأمة لأنه - حسب قولهم - لو جاز على اللّه أن ينسخ حكما من أحكامه فإنه إمّا أن يكون ذلك لحكمة ظهرت له وهي كانت خافية عليه ، وإمّا لغير حكمة . وهذا لا يستقيم مع عظمة اللّه وعلمه بالماضي والحاضر والمستقبل ، وعلمه بطبائع العباد ، وعاداتهم ، ومدى قدراتهم على تقبّل الأحكام الجديدة بل وهدايتهم إلى تقبلها ما دام قادرا على تطويع نفوسهم لها . ويذهب المستشرقون في هذا الصدد إلى اعتناق نظرية المعتزلة القائلة بالقبح والحسن العقليين ، ويقولون : إن النسخ يستلزم اجتماع الضدين ، واجتماعهما محال ، لأن الأمر بالشيء يقتضي أنه حسن وطاعة ومحبب إلى اللّه ، والنهي عنه يقتضي أنه قبيح
هامش
( 1 )RODINSON ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 161 .