تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
التي يواجهها ، فإنه قول داحض من أساسه ، ويرجع تشبث المستشرقين بهذه الآراء لاستخدامهم المناهج العلمية التي لا تقرر في النهاية الإيمان بالوحي الإلهي من الناحية العقلية . وبيان ذلك أن النسخ في القرآن يدل على وجود الوحي في الزمان وتغيره طبقا للأهلية والقدرة وتبعيته لمدى الرقي الفردي والاجتماعي في التاريخ . والوحي ليس خارج الزمان ، ثابتا لا يتغير بل داخل الزمان يتطور بتطوره . والنسخ في حقيقة أمره يعني إزالة حكم سابق بحكم لاحق نظرا لتغير الظروف ولاشتداد عصبة الأمة وتحقيق تربية الوحي للجنس البشري . ذلك أن الشرع والقانون ليسا ثابتين بل إنهما يواكبان تطور المجتمعات وتغير الواقع . لأن الواقع يفرض نفسه على الفكر ، والمصلحة تفرض نفسها على القانون ، والتطور يفرض نفسه على الثبات ، ومن هنا كان خطل الرأي الذي يتصور الوحي الإلهي خارج الزمان والتشريع خارج تطور المجتمعات « 1 » . وكما ذكرنا آنفا فإن معضلة النسخ وما نتج عنها من خلاف حتى بين علماء المسلمين أنفسهم هي التي زادت الأمر تعقيدا ، وأصبح الدفاع عنها أمرا عسيرا خلافا للقضايا الأخرى التي أتينا على ذكرها . ومع ذلك فإن حكمة النسخ تبقى الأساس المتين لمشروعيته وتأكيد حصوله ، هذه الحكمة التي تتجلى في تحقيق مصالح الناس التي هي المقصود الأصلي في تشريع الأحكام ، لأن هذه المصالح قد تختلف باختلاف الأحوال والأزمان . فإذا شرع حكم لتحقيق مصلحة ثم زالت تلك المصلحة كان المناسب لذلك أن ينتهي الحكم الذي شرع لأجلها « 2 » . ومن حكمة النسخ أيضا رعاية التدرج في التشريع وعدم مفاجأة من تشرع لهم الأحكام بما يشق عليهم أو تنفر منه نفوسهم . ومن ضرورة هذا التدرج ورود الأحكام التكليفية شيئا فشيئا ، وتعديلها بما يلائم أحوال من تشرع لهم حتى تتهيأ نفوسهم لقبولها والعمل على وفقها . ولهذه الأسباب أصبح للنسخ مبررات لا يمكن تجاهلها أو النكوص عنها . فما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ خلافا للمعتزلة لقولهم بالقبح والحسن العقليين . فلا يمكن نسخ معرفة اللّه والعدل وشكر المذموم . ومن هنا نفهم حكمة نسخ القرآن بالقرآن ،
هامش
( 1 ) د . حسن حنفي ، دراسات إسلامية ، دار التنوير العربي للطباعة والنشر ، ط 1 ، 1982 م ، ص 334 - 335 بتصرف كبير . ( 2 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 295 .