تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ونسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن فكلاهما من اللّه . ولكن الإجماع لا ينسخ إذ لا نسخ بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي . أما السنة فالمتواتر فيها ينسخ المتواتر . والآحاد ينسخ الآحاد ، واختلف العلماء في جواز نسخ المتواتر بالآحاد جوّزه بعض منهم ومنعه بعضهم الآخر . وقد منع الخوارج نسخ القرآن بالخبر المتواتر وجوّزه الشافعي . ولا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس بالظن والاجتهاد على اختلاف مراتبه . كما لا يجوز نسخ حكم بقول الصحابي لأنه ليس أصلا . ويعرف تاريخ النسخ عندما يتناقض نصان فيكون المتأخر ناسخا للمتقدم ، كما يعرف بعدة قرائن منها أن يكون في اللفظ ما يدل عليه أو أن تجمع الأمة على الناسخ والمنسوخ أو أن يذكر الراوي التاريخ . إن النهج الذي يعرف به الناسخ والمنسوخ لا يشتبه فيه النسخ بالبداء ، ولا بالتخصيص ، ولا بالإنساء ، ولا ببيان المجمل ، وإنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول اللّه أو عن صحابي يقول : « آية كذا نسخت كذا » . وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر . ولا يعتمد في النسخ على قول عوام المفسرين بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بيّنة ، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهد الرسول ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد « 1 » . وقد صرّح المحققون من العلماء بأن كثيرا ممّا ظنّه المفسرون نسخا ليس به وإنما هو نسيء وتأخير ، أو مجمل أخّر بيانه لوقت الحاجة ، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره ، أو مخصوص من عموم ، أو حكم عام لخاص ، أو لمداخلة معنى في معنى . وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به ، وإنما هو الكتاب المهيمن على غيره ، وهو نفسه متعاضد ، وقد تولى اللّه حفظه فقال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 2 » . إن للنسخ فائدة أخرى لا يمكننا إغفالها . وهي أن المجتهد إذا وجد تعارضا بين
هامش
( 1 ) السيوطي ، الإتقان ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 40 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 44 ، وقد ذكره الدكتور صبحي الصالح في مباحث علوم القرآن ، المرجع السابق ، هامش ص 273 .