ومعصية ومكروه له تعالى . فلو أمر اللّه بالشيء ثم نهى عنه ، ثم أمر به ، لاجتمعت هذه الصفات المتضادة في الفعل الواحد الذي تعلق به الأمر والنهي .
ويرد الأستاذ « الزرقاني » في « مناهله » على هذه الشبهة بأن الحسن والقبيح وما اتصل بهما ، ليست من صفات الفعل الذاتية حتى تكون ثابتة فيها لا تتغير : بل هي تابعة لتعلق أمر اللّه ونهيه بالفعل . وعلى هذا يكون الفعل حسنا وطاعة ومحبوبا إلى اللّه ما دام مأمورا به من اللّه ، ثم يكون هذا الفعل نفسه قبيحا ومعصية ومكروها له تعالى ما دام منهيا عنه منه تعالى . والقائلون بالقبح والحسن العقليين من المعتزلة ، يقرون بأنهما مختلفان باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال ، ومن هنا ينتفي اجتماع الضدين .
لأن الوقت الذي يكون فيه الفعل حسنا ، غير الوقت الذي يكون فيه ذلك الفعل قبيحا ، فلم يجتمع الحسن والقبح في وقت واحد على فعل واحد « 1 » .
أما الرد على الشبهة التي تتساءل عن كيفية حصول النسخ في الأحكام التي قررها اللّه ابتداء وهو يعلم طبائع العباد ، فينسخ تلك الأحكام لمسايرة التطور والتدرج في سن تلك الأحكام لتتفق وقدرة العباد على تطبيقها مع الإيمان مسبقا بأنه عنده علم كل شيء في الأزل . فإن الأمر يقتضي بيان أن اللّه كما هو يعلم الغيب ، وقرر كل شيء في الأزل ، وحفظه في لوحه المحفوظ ، فهو كذلك يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا من قبل أن يشرعهما لعباده ، بل من قبل أن يخلق الخلق ، إلا أنه علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم ، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة أخرى . ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس ، وتتحدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم ، وأن الأحكام وحكمها والعباد ومصالحهم ، والنواسخ والمنسوخات كانت كلها معلومة للّه من قبل ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه ، والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده ، لا ظهور ذلك له « 2 » .
أما ما ذهب إليه المستشرقون من أن النسخ يدل على بشرية القرآن ، وهو دليل على قيام النبي بتعديل الأحكام الواردة في النص القرآني لتتماشى والظروف المستجدة
هامش
( 1 ) الزرقاني ، مناهل العرفان ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 201 .
( 2 ) الزرقاني ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 198 .