تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
القرآن فإن نسخته لم تكن حينئذ بيانا له ، بل تكون رافعة إياه ، ثم إن الآيات القرآنية تنص على أن تبديل القرآن ونسخه لا يتم من قبل الرسول تصديقا للآية :
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي
، وقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
وكقوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
وغيرها من الآيات التي تدل على هذا المعنى . ولعل أهم الآراء المانعة لنسخ السنة للقرآن ما ذهب إليه الإمام الشافعي من إنكاره نسخ القرآن بالسنة « 1 » . وقد ذهب الفقهاء مذاهب شتى في تفسير رأي الشافعي بالخصوص ، ونفوا أن يكون قصده هو عدم نسخ القرآن بالسنة ، ولكنه رمى في حقيقة الأمر إلى تعظيم الكتاب والسنة وتعاضدهما وتوافقهما ، فما يختلفان في شيء إلا مع أحدهما مثله ناسخا له « 2 » . وأشار الغزالي إلى رأي الشافعي بالخصوص بقوله : « فإن قيل قال الشافعي رحمه اللّه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو أجلّ من أن لا يعرف هذه الوجوه في النسخ . . . إلخ » « 3 » . وكما اختلف الأصوليون في تعريف النسخ ومفهومه اختلفوا في المصادر الأصولية التي ينسخ بعضها بعضا واختلفوا في النسخ ذاته . فهذا أبو مسلم الأصفهاني حسبما نقل عنه العلماء ينفي وقوع النسخ في شريعة واحدة أصلا ولا في القرآن أيضا . وإن كان الناقلون عنه لم يتحققوا من رأيه الصحيح حول هذه المعضلة ، ولكننا نجد باحثا حديثا « 4 » ينكر النسخ ، ويؤكد أنه ليس هناك نص في القرآن على حكم نزل نص آخر رفعه ، ولكنه يقر بحصول النسخ في الشرائع والديانات القديمة وهذا معنى النسخ عنده الوارد في القرآن . وضمّن كتابه حججه وأدلته التي استند إليها في إثبات فرضيته . ويعلل عدم وجود النسخ أصلا بقوله : إن الرسول وصحابته المقربين لم يقولوا ذلك قولا صحيحا ، وإنه لو صح يقينا أن في القرآن ناسخا ومنسوخا لكان هذا أصلا واجب المعرفة والتقدير والاعتراف به كالقرآن المسطور بين أيدينا تماما واختلافهم في الكثرة
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة ، تحقيق : أحمد محمد شاكر بدون تاريخ ، ص 137 - 146 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 32 . ( 3 ) الغزالي ، المستصفى ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 124 . ( 4 ) عبد المتعال محمد الجبري ، النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه ، دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم و 10496 قدّمه لنيل درجة ماجستير عام 1949 م أمام كلية دار العلوم بجامعة القاهرة .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 383 | ساسي سالم الحاج