والقلة تسقط الجميع ، وإن بدعة النسخ على اصطلاح المتأخرين أكبر مهزلة في تاريخ القرآن « 1 » .
تصدى علماء المسلمين لأبي مسلم الأصفهاني ، وفي معرض ردهم عليه فرقوا بين النسخ والتخصيص ، إلا أنهم بالغوا في الرد حينما خلطوا على الناس بين النسخ والبداء ، وبين النسخ والإنساء ، وبين نسخ الأحكام ونسخ الأخبار ، ومن هنا كان عنوان بحثنا « معضلة النسخ القرآني » . ولكن الذي لا شك فيه أن الأصل في آيات القرآن هي الإحكام لا النسخ ، إلا أن يقوم دليل صريح على النسخ . فلا مفر من الأخذ به حتى حصر المسلمون آيات النسخ في إحدى وعشرين آية على خلاف في بعضها « 2 » . وتتبع الدكتور « صبحي الصالح » الآيات الصالحة للنسخ فلم يجدها تزيد على عشر فقط « 3 » .
وذهب إلى هذا الرأي الأستاذ « محمد حمزة » بعد حصر الآيات المنسوخة فوجدها تسعا فقط « 4 » .
ونحن بعد أن استعرضنا لك معضلة النسخ القرآني من جميع جوانبها ، فإننا سنريك آراء المستشرقين حولها ، ونتتبع شبهاتهم عليها ، ثم نحاول الرد على تلك الشبهات طبقا للمنهاج الذي سرنا على منواله في ثنايا هذا السفر .
تعرض « روبير برونشفج
R . Brunschvig
» في « دراساته الإسلامية » إلى معضلة النسخ بصورة مقتضبة وذلك عندما عالج موضوع « المنطق والقانون في الإسلام » . فذكر أنه في غياب قواعد القانون الطبيعي في الشريعة الإسلامية ، وأخذا في الحسبان إرادة اللّه التي تشرع لوحدها ، فإن جميع القوانين الموحاة منه إلى رسوله لا يمكن إخضاعها للعقل مثلما يمكن إخضاع القوانين الوضعية لهذا المعيار . إلّا أن هذه الأحكام الموحاة يجب ألا تتناقض هي الأخرى والعقل ، وهو مذهب طبقه المسلمون منذ الفجر الأول للتشريع الإسلامي حتى لا توصف أحكامه بالاضطراب والتناقض وهو ما أطلقوا عليه بحكمة التشريع أو مقاصده ، أو المصالح التي يرمي إلى تحقيقها . إلا أنه بالرغم من
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، من صفحات متفرقة .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 37 - 38 .
( 3 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، المرجع السابق ، ص 274 .
( 4 ) محمد حمزة ، دراسات الإحكام والنسخ في القرآن الكريم ، دار قتيبة ، الطبعة الأولى ص 187 - 188 بدون تاريخ .