أبي مسلم الأصفهاني ، أم من المحدثين مثل عبد المتعال محمد الجبري قد أنكروا النسخ ذاته وقالوا لا منسوخ في القرآن ولا نسخ في السنة .
وقفز المستشرقون على علم الناسخ والمنسوخ ورأوه مجالا خصبا للطعن في صحة النص القرآني ، ودلالة على تضاربه ، وحجة على بشريته طالما كان الرسول يستطيع أن ينسخ الأحكام التي لا يراها متفقة والمشاكل المطروحة المقررة سلفا ، فيورد أحكاما جديدة تنسخ السابقة منها بعد تدبر وتشاور وتفكير ، إذ لو كان القرآن من اللّه وهو العالم بكل شيء لما قرر حكما ثم نسخه واستبدله بحكم آخر مراعاة لتطور التشريع وهو يعلم الماضي والحاضر والمستقبل ، وكل الحوادث مسجلة في لوحه المحفوظ .
والحقيقة التي لا مراء فيها أن معضلة النسخ القرآني قد أسالت مدادا كثيرا سواء من حيث مبادئه أو من حيث تطبيقاته العملية ، لأنه إذا تعلق الأمر بتشريعات وضعية فإن المعضلة لا أساس لها ، ويسمح بتعديل وتبديل وتغيير القوانين الوضعية طبقا للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية التي تحكم لحظة التشريع . أما إذا تعلق الأمر بنسخ أحكام وشرائع إلهية فإن هناك صعوبات ثيولوجية تبدو لنا في الأفق . بل إن العديد من مفكري الإسلام وعلمائه يحاولون تضييق ميدانه بل وينكرون حصوله أحيانا في الإسلام طالما كانوا يعتقدون أن النسخ لم ينصب إلا على الشرائع القديمة .
ونحن لا يهمنا في هذا المبحث التعرض إلى تلك الآراء المتعارضة حول مفهوم النسخ ومجاله وتطبيقاته إلا في السياق الذي يعنينا وهو شك المستشرقين في صحة النص القرآني وتداخله وتضاربه وتناقضه تأسيسا على معضلة الناسخ والمنسوخ .
فالنسخ طبقا لتعريفات الأصوليين هو عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق « 1 » . ومن العلماء من عرّفه بأنه الخطاب الدّال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه « 2 » . وقد آثر الإمام « الغزالي » - ويرى رأيه كل من القاضي أبي بكر
هامش
( 1 ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام ، الجزء الثالث ، دار الكتب العلمية ، 1983 م ، ص 155 .
( 2 ) الغزالي ، المستصفى من علم الأصول ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، المطبعة الأميرية ببولاق ، 1322 ه ، ص 107 .