البيئة بما لها وما عليها . فهو قد مثّل حياة العرب الدينية التي بدت لنا قوية وذلك من خلال مجادلة المشركين فيها والدفاع عنها . ومثّل لنا حياة العرب العقلية القوية وذلك بإيراده قدرتهم على الجدل والحوار والخصام . ومثّل لنا القرآن الحالة الاجتماعية والاقتصادية العربية أحسن تمثيل . وتحدث لنا عن الطبقة الغنية المستنيرة الممتازة بالثروة والجاه والذكاء والعلم ، والطبقة الضعيفة المتصفة بالجهل والفقر . ومثّل لنا القرآن علاقات العرب السياسية والاقتصادية مع الأمم المجاورة لهم . ومثّل لنا ذلك الصراع الذي اندلع بين الأغنياء والفقراء بمكة والذي انتهى بالطبع إلى غايته عندما وقف القرآن مع الفقراء وعندما انتصر بلال على أمية ، وعندما ألغى الربا ، وعندما فرض الزكاة ، وعندما أوصى الأغنياء بالفقراء .
إن هذا التمثيل الذي أظهره لنا القرآن للبيئة العربية لا يقدح في صحته ولا في قوته ، ولا يشكك في ألوهية مصدره كما ذهب إلى ذلك معظم المستشرقين ، ولكنه كان فعلا مرآة لهذه البيئة بما لها وما عليها . وقد حاول إصلاحها ، وتمثل لها بالمحسوسات المحيطة بها ، ودعاها طبقا لعقليتها إلى التوحيد وإلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وهي قد فعلت ذلك بعد لأي وخطوب ، وكانت النتيجة حاسمة وهي إخراج هؤلاء الأقوام إلى عالم الوجود حضارة سامية راقية أصلها القرآن ، وأساسها تلك التعاليم التي بدأت من قبل شخص وحيد لم يدع لنفسه الألوهية أو الربوبية أو القداسة ، ولكنه أصرّ إلى النهاية على أن مهمته لا تتعدى كونه بشيرا ونذيرا . ومن خلال هذه الصور التي أتينا على ذكرها ، حاولنا استعراض شبهات المستشرقين حول الخصائص القرآنية المكية والمدنية . وحاولنا من خلال هذه الصفحات اتباع منهج لهذه الآراء ثم تلوناها بمنهج التحليل والنقد العلميين ، وعسى أن نكون قد وفقنا في ذلك .
المبحث السابع المستشرقون ومعضلة النسخ القرآني
اختلف العلماء في تعريف النسخ اصطلاحا ومنشؤه أن الجدل في تعريفه يرتد إلى ما بين تحديد الكلمة لغة وتحديدها اصطلاحا . واختلف العلماء أيضا في نسخ السنة للقرآن وإن اتفق معظمهم على نسخ القرآن للقرآن ، ونسخ القرآن للسنة ، ونسخ السنة للسنة . واختلف العلماء كذلك في النسخ ذاته فبعض منهم سواء أكانوا من القدماء مثل