تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ومن هنا نفهم أن اشتمال القرآن على هذا النوع من التشريع كان موجها للأمة بتمامها وكمالها . وإذا كان القرآن قد نظم قواعد السلوك التي يجب على المسلمين مراعاتها تجاه الرسول وتجاه بعضهم بعضا ، فإن الأمر لم يقصد به عبادة شخصية الرسول أو تقديسه ، لأنه نفى عن نفسه هذه المظاهر الزائفة طوال حياته وحتى وفاته . ولكنه قصد من ذلك ترسيخ قواعد للسلوك يتعامل بموجبها الأفراد بعضهم مع بعض على أسس من الاحترام المتبادل ، والمحبة المخلصة ، ومن هنا جاءت تلك النصائح التي تحث على عدم الاغتياب ، والتجسس ، وعدم دخول بيوت الغير إلّا بإذن أهلها ، وغيرها من قواعد السلوك الحسنة التي هي من مظاهر المجتمع الحضاري السعيد ، ولكن إذا كانت الآيات الحافلة بقضايا الرسول العائلية أريد بها سن تشريعات لأمته ، فإن هناك بعض القضايا التشريعية لا تسري على بقية الأمة كخصوصياته مثل جوازه التزويج بأكثر من أربع ، وتحريم نسائه من التزوج بعده باعتبارهن أمهات المؤمنين . وهذه الخصوصيات لا تشمل الأمة وتبقى مقصورة عليه وحده زيادة في التقدير والاحترام من جهة ، ومراعاة لمصلحة الأمة العليا من جهة أخرى . تاسعا : يقول المستشرقون : إن القرآن المكي حافل بالتهديد والوعيد ، والإنذار باقتراب يوم القيامة ، وخلو آياته من الأدلة والبراهين ، بخلاف القرآن المدني الذي جاء مدعما بالأدلة والبراهين القاطعة ، وهذا دليل على تأثر القرآن بالوسط الذي نزل فيه ، وبالتالي فهو دليل على بشريته . وهذه الشبهة لا أساس لها هي الأخرى ، لأن القرآن المكي حافل بالأدلة والبراهين على عقيدة الإسلام ، وثبوت وحدانية اللّه ، ودعوة قريش إلى التدبّر والتفكّر في الظواهر الكونية والطبيعية التي تبرهن على وجود اللّه وقدرته . وتقدم من خلال هذه الآيات الأدلة العقلية على البعث والجزاء ، ويجادل المشركين في آلهتهم ومعتقداتهم الفاسدة ، وينقض حججهم وأدلتهم نقضا منطقيا عقليا . وهو عندما ينذر باقتراب يوم القيامة فلأنه أراد أن يحثهم على الإيمان باللّه ، والإقرار له بالوحدانية ، وتجنب الأفعال الذميمة ، وسلوك الطريق السوي للفوز بالفلاح في الدنيا والآخرة . أما الآيات المدنية فإنها وإن كانت هي الأخرى مليئة ومدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة ، إلّا أنها تحتوي هي الأخرى على وصف يوم الحساب ، وعلى المصير السيئ الذي يواجهه المشركون ،