والمصير الحسن الذي سيئول إليه المؤمنون الصادقون . ومن هنا تنهار هذه الشبهة التي استندت إلى هذه الفرية الباطلة شكلا وموضوعا .
عاشرا : ركز المستشرقون كثيرا على أن القرآن هو مرآة عاكسة للأوضاع العربية وقت نزوله ، فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي ، وقد وصفه « كاراديفو » بأنه مرآة للبيئة العربية بهجيرها ورمالها ، وأنه قد استوحى البيئة ، وعكس أوضاعها وتقاليدها ، ولم يكن كتابا موحى به جاء ليغير من عادات العرب الفاسدة وعقائدها الباطلة . وهو يقول في كتابه « مفكر والإسلام » : « القرآن نص ساذج مبهم في صورة من صور البداوة ، والفقه تحليل علمي دقيق من آثار التفكير المثقف ، والقرآن شبه مسودة بالية قاتمة في الصحراء » .
ونحن لا يهمنا في هذا السياق إلّا الرد على البيئة العربية وانعكاساتها في السور القرآنية ، ونرى أن مثل هذه الشبهات لا تؤثر في صدقية القرآن ولا في صحة مصدره .
وآية ذلك أن القرآن نزل في بيئة محددة لها خصائصها الجغرافية والبشرية والجوية ، ويخاطب أقواما لهم خصائصهم الثقافية والدينية والاجتماعية . وطبيعة الأمور تقتضي أن يخاطب القرآن هؤلاء الأقوام طبقا لما تعارفوا عليه من سنن الكون والحياة . ولا يمكن للقرآن أن يخاطبهم بأمور هم عنها غافلون ، ولا يأتيهم بقضايا فكرية وعقلية هم عنها جاهلون . ولو كان الأمر كذلك ما فهمه العرب حق فهمه ، وما جادل فيه أقوام ، وما كفر به قوم وآمن به آخرون . فالعرب فهمت القرآن فهما جيدا شكلا ومضمونا لأنه فعلا كان عاكسا لحالهم وبيئتهم وقضاياهم وأفراحهم وأتراحهم . ومن خلال فهمهم الجيد له جادلوا فيه فمنهم من لج في الخصومة والجدال تعنتا وتكبرا ومنهم من آمن به اقتناعا وتدبرا .
والقرآن يمثل البيئة العربية حق تمثيل ، فيختار من الأمثلة الدالة على وحدانية اللّه ما يستطيع العرب إدراكه بسهولة ، فهو يدعوهم إلى النظر في أمور الكون والحياة ، ويدعوهم إلى التأمل في كيفية خلق المحسوسات والمخلوقات باعتبارها عاكسة لقدرة اللّه ، ويدعوهم إلى التمثل بقصص الأنبياء السابقين ، وما لحق بأقوامهم من الكوارث ، وهم يشاهدون آثار أولئك الأقوام عيانا عند سفرهم في تجارتهم . ويخاطبهم بعقلية تناسب ما عهدوا عليه من طبائع الأمور . ولم يتكلف لهم تصوير بيئات أخرى ، وعوالم أخرى ، إذ لو فعل ذلك لكفروا به ، وزادوا فيه مراء . ولكنه فعلا كان مرآة عاكسة لتلك
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 379
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٧٩