أوائل السور ، ولكن الذي يعنينا تلك الشبهات الواردة عليها من المستشرقين منها : أن هذه الأحرف من وضع كتبة محمد من اليهود تنبيها على انقطاع كلام واستئناف آخر ، ومنها : قصد بها التعمية أو التهويل أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف ، ومنها :
تلعثم النبي في بداية السور انتظارا لما تجود به قريحته من الآيات ، وغيرها من الشبهات التي تنصب جميعها حول بشرية القرآن ونفي ألوهيته .
ونحن بيّنا لك رأي بعض المستشرقين الذين رفضوا تفسير هذه الحروف باعتبارها أسماء الصحابة الذين كانت عندهم نسخ من سور قرآنية معينة . ناهيك من أن « نولدكه » قد رجع عن رأيه في طبعة كتابه الثانية والموسوم « بتاريخ القرآن » .
أما من ذهب إلى أن هذه الأحرف من وضع كتبة محمد من اليهود للبراءة من الإيمان بما يأمرهم بكتابته فهو قول لا أساس له من الصحة ، لأنه لم يكن للرسول كتبة من اليهود أبدا . ولم يشتهر عنهم تاريخيا معارضتهم له على هذا الأساس . أما كتبة الوحي من اليهود مثل « أبي » فقد أسلم وأصبح من المسلمين . ولم تكن هذه الأحرف نتيجة تمتمة الرسول وتلعثمه ، وطلب قريحته إلى الإجادة والتفتق ، لأنه معروف تاريخيا بفصاحته وبلاغته وسلاسة أسلوبه من جهة ، ولأن القرآن كلام اللّه الموحى به إليه من جهة أخرى .
ثامنا : ركزت الشبهة الثامنة على احتواء القرآن المدني لمشاكل الرسول الشخصية والعائلية ، وتنظيم سلوك المسلمين تجاه بعضهم بعضا ، وتجاه الرسول ، الأمر الذي رسخ عبادة شخصية الرسول وتقديسه . كما أنه يدل على بشرية القرآن لأنه لو كان من اللّه لما اهتم بهذه الأمور الشخصية .
والرد على هذه الشبهة سهل ميسور ، ذلك أن القرآن عندما ينظم أمور الرسول العائلية ، فذلك باعتباره أسوة وقدوة للمسلمين . وكلما خاطب القرآن الرسول ، أو وجه إليه التعليمات والأوامر والنواهي ، فإنما توجه في حقيقة الأمر إلى المسلمين كافة .
وكلما كان الخطاب موجها إلى الرسول اتجه الخطاب إلى بقية الأمة الإسلامية . وكلما عالج القرآن تشريعا عائليا كان التشريع يعالج قضايا الأمة بأكملها . وكلما جاءت الآيات تحث نساء النبي على فعل شيء أو اجتنابه ، كانت هذه التعليمات موجهة إلى بقية نساء المسلمين . وكلما كان القرآن يأمر النبي بالزواج من زوجة ابنه بالتبني بعد أن طلقها ، كان ذلك تشريعا صريحا بإلغاء نظام التبني الذي كان معروفا لدى العرب في الجاهلية .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 377
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٧٧