وتحكم العقل والمنطق في الحياة أكثر من تحكم المحسوسات والماديات ، وأصبحت لغة الخطاب تعتمد على الإقناع اللين ، والحوار السهل أكثر من اعتمادها على تصوير لوحات القيامة واليوم الآخر بالقسوة والشدة . وأكثر من اعتمادها على المقارعات اللفظية العنيفة . واتجه القرآن إلى تنظيم الأمة الإسلامية في مجالات حياتها المختلفة ، واختفت بذلك تلك الصور القاتمة التي تعكس حال المشركين وعنادهم ، وإصرارهم على عبادة أوثانهم ، وحلّت محلها صور زاهية ، واضحة ، مضيئة تصور الانقلاب الذي حدث في المجتمع الإسلامي عندما انتشرت الوحدانية ، وحلّ الإيمان محل الشرك ، والثقة محل الشك ، والهداية محل الضلال ، فتغيرت الصور القرآنية تبعا لذلك وهو أمر طبيعي لا غرابة فيه ، ولا تأثر النبي ببيئته الجديدة ، وليس دلالة على سذاجة المخاطبين وانحطاطهم ، كما أنه ليس برهانا على استنارة المدنيين وتقدمهم وثقافتهم وتفوقهم في الفهم والذكاء والفصاحة والبيان .
سابعا : أوردنا في الشبهة الثامنة ظاهرة الأحرف المتقطعة الموجودة في أوائل السور المكية ، واختفائها في السور المدنية . وذهب المستشرقون إلى تفسير هذه الشبهة تفسيرات شتى جانبت الصواب . وبيان ذلك أن مجموع الفواتح القرآنية تسع وعشرون ، وأنها على ثلاثة عشر شكلا ، وأن أكثر الأحرف ورودا فيها الألف واللام ، ثم الميم ثم الحاء ، ثم الراء ثم السين ، ثم الطاء ، ثم الصاد ، ثم الهاء والياء ، والعين والقاف ، وأخيرا الكاف والنون « 1 » .
ذهب المفسرون تفسيرات شتى في بيان هذه الأحرف ، ومدى أهميتها ، والغرض من ورودها في أوائل السور ، وأجمع غالبيتهم على أنه تحدّ للعرب أن يأتوا بمثل ما ورد في القرآن من بيان « 2 » . وذهب آخرون إلى الامتناع عن تفسير هذه الفواتح لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا اللّه ، وأنها حسب قول الشعبي : « سرّ هذا القرآن » « 3 » .
ولخص الزرقاني في « مناهله » الطرق التي ترمز إليها هذه الحروف طبقا لتأويلات المسلمين في ثلاث نقاط ، إما أن تكون هذه الحروف مقتطعات من أسماء اللّه طبقا لرواية « ابن عباس » وإما ما أن تكون هذه الحروف من أعجب المعجزات والدلالات
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 16 .
( 2 ) الزمخشري ، الكشاف ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 16 .
( 3 ) السيوطي ، الإتقان ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 15 .