تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
لقوله تعالى :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 1 » . أما تفاصيل العقوبات عن هذه المحرمات فقد وردت في السور المدنية . وهو أمر طبيعي كما أسلفنا نظرا لاستقرار المجتمع وحاجته إلى القواعد القانونية التي تنظم مسيرته الحضارية . ولا يذهبن بك الظن إلى أن تلك التفاصيل كانت نتيجة اختلاط محمد بمثقفي المدينة - كما ذهب إلى ذلك المستشرقون - ، ولا نتيجة اختلاطه باليهود الموجودين بالمدينة وهم أهل كتاب استقى منهم الرسول جميع تعاليمه التفصيلية المتعلقة بالعبادة والمعاملات ، وقد بيّنا لك خطل هذا الرأي في موضع آخر . بل إن العكس هو الصحيح إذ عارض النبي معتقدات اليهود ، ونقضها من أساسها ، واتهم كتابهم بالتحريف والتزوير ، وأتى بقواعد قانونية وتشريعية تخالف نصّا وروحا شريعتهم وعباداتهم التفصيلية . سادسا : أما بالنسبة للشبهة السابعة والقائلة باحتواء السور المكية على القسم بالظواهر الكونية ، وخلو القرآن المدني منها لأكبر دلالة على تأثر القرآن بالبيئتين ، لأن البيئة المكية تتأثر بالمحسوسات ، أما البيئة المدنية فإنها أكثر ثقافة واستنارة وبذلك فإنها تتأثر بالعقليات والمعنويات . وهذه الشبهة داحضة من أساسها ، لأن البيئة المكية لم تكن بتلك القساوة أو التخلف التي يصفها بها المستشرقون . ولا كانت البيئة المدنية بذلك التقدم والحضارة التي يلصقها بها المستشرقون . وإنما جاء القسم في مكة مراعاة لحال المشركين ، ونقضا لمعتقداتهم الضالة ، ولمجاراتهم في الحلف بالظواهر الكونية لأنهم يحلفون هم الآخرون بها إذا كانوا يعتقدون صحة أمر من الأمور أو نفيه . ثم إن الإشارة إلى هذه الظواهر بيان على قدرة اللّه ، واتساع سلطانه ، وبرهان على وجوده وعظمته . ثم إن الحلف بهذه الظواهر إشارة إلى الأسرار التي أودعها اللّه فيها والتي لا يدركها إلّا اللبيب الفطن ، والتي ستستمر البشرية في اكتناه أسرارها لقرون مقبلة طويلة . أما اختفاء « القسم » في السور المدنية ، فإن ذلك راجع إلى تقلص ظلال الشرك ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 151 .