ومن ثم ليس هناك بيئة منحطة في مكة ، وأخرى متقدمة في المدينة ، ولكن قول المستشرقين من تأثر القرآن بالوسط الذي نزل فيه قصدوا من ورائه أنه كلام محمد لا كلام اللّه ، وقد بطل هذا الزعم في مبحث آخر فلا داعي لتكراره من جديد ، ويصدق هذا الرد على الشبهة الخامسة أيضا فلا داعي للإشارة إليها من جديد .
خامسا : أمّا عن الشبهة السادسة القائلة بخلو القرآن المكي من التشريع والأحكام واحتوائه في المدينة على تفاصيل العبادات والمعاملات ، الأمر الذي يدل على وضعية القرآن ، وتأليفه من قبل محمد وأصحابه وذلك طبقا لتأثير البيئة التي وجد فيها . فإن الرد على هذه الشبهة يتلخص أولا في الإقرار بأن تفاصيل التشريع والأحكام قد حفلت بها الآيات المدنية ، وهذا نتيجة طبيعية لاستقرار الدعوة الإسلامية بالمدينة ، التي اهتمت بتنظيم المجتمع الجديد ، والمتميز عن المجتمع القديم بما فيه من سياسة واقتصاد ، وتشريعات ، ومن المحتم في هذه المرحلة أن تترسخ الحقائق الشرعية في العبادات والمعاملات ، وأن ترسم حدودا بين الحلال والحرام ، وأن تفصل التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والمدنية ، والقوانين الدولية ، وتنظيم العلاقات الدولية ، وبيان أحوال الحرب والسلم ، وتنظيم المسائل العسكرية وما تتطلبه من تعبئة مادية ومعنوية . وأن تفصل التشريعات الجنائية فتقرر أحكام الحدود على سبيل الحصر ، وتنظم العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامي وبينهم وبين المجتمعات الأخرى . ولا سبيل إلى هذا التنظيم ما لم تستقر الدول الناشئة على أرض محددة ، ومن هنا حفلت السور المدنية بتنظيم المسائل الشرعية لأنها انعكاس جليّ لدولة حديثة لها مقوماتها المتميزة في جميع مجالات الحياة .
ومع إقرارنا بأن تفاصيل العبادات والمعاملات قد وردت في القرآن المدني إلّا أننا لا نغفل الإشارة إلى احتواء القرآن المكي على هذه التفصيلات ، وقد عرض لها بصورة إجمالية ، لأن مقاصد الدين الخمسة قد عرض لها القرآن في هذه المرحلة وهي المتعلقة بالإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، وحفظ النفس ، وحفظ العقل ، وحفظ النسل ، وحفظ المال . ونحن نعلم أن جميع التشريعات الإسلامية من أهم مقاصدها المحافظة على هذه المصالح الخمسة ، فقد شرع تحريم الخمر وما في حكمه من العقاقير المخدرة لحفظ العقل ، وحرّم الزنا لحفظ النسل ، وحرّمت السرقة لحفظ المال ، وحرّم القذف لصون الأعراض ، وحرّم القتل صونا للبدن . وقد كان القرآن المكي صريحا في رعاية هذه المصالح الخمسة
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 373
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٧٣