تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
آثام فإنه لا يغفر أن يشرك به مطلقا . وهذا أكبر دليل على تهافت هذه الشبهة وعدم استنادها إلى أسس واقعية وتاريخية سليمة . رابعا : أما بالنسبة إلى الشبهة الرابعة والتي تتلخص في اتصاف الأسلوب القرآني المكي بالذم والقدح والشتم واتصاف الأسلوب القرآني المدني باللين والرحمة والمودة . وهذا دليل على عكس القرآن لهاتين البيئتين المختلفتين في الطبائع والعادات ، فإنها شبهة داحضة هي الأخرى ، ولا تستند إلى أسس علمية صحيحة . وبيان ذلك خلو القرآن من السب والشتيمة الخارجة عن حدود الأدب واللياقة . وقد نهى القرآن صراحة على اجتناب هذا اللون من السباب عندما قال :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 1 » ولكن القرآن احتوى على قدح وذم المشركين ، وتسفيه أحلامهم والسخرية من أصنامهم وآلهتهم ، وتوبيخ تصرفاتهم المشينة ، وإنذار ووعيد لهم ولأمثالهم من المتجبرين المتكبرين كالوليد بن المغيرة ، وأبي لهب وزوجته . ولكن القرآن المدني نفسه يحتوي على هذه الخصائص أيضا خاصة إذا تعلق الأمر بالمنافقين واليهود ومقارعتهم بالحجة والبرهان ، وتعنيفهم على السموم التي ينفثونها ، ووقاية للمجتمع من الفتنة التي يريدون إشعال سعيرها . بل إن القرآن بأجمعه مليء بالوعد والوعيد ، والتسامح والتشديد ، والأخذ والرد ، والجذب والشد . وإذا تميز القرآن المكي بالشدة والعنف ، فذلك لما مردوا عليه من أذى الرسول وأصحابه والكيد لهم حتى أخرجوهم من أوطانهم ، ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا إليهم الأذى في مهاجرهم « 2 » . أما قولهم إن تمايز هذا الأسلوب في المكانين يرجع إلى بيئة قريش المنحطة ، وبيئة المدينة المتقدمة ، فهو ادعاء لا دليل يسنده ، لأن قريش كان لها مركز الرئاسة والزعامة بين العرب ، وامتازت عليهم في القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية ، وكان أهلها ولغتها من المعروفين بين العرب بالفصاحة والبلاغة . كما أن قاطني المدينة لم يكونوا بتلك الثقافة والتقدم التي يوصفون بها . فهم قبائل عربية أصيلة ، كثيرا ما يندلع النزاع القبلي بينها ، شأنها في ذلك شأن القبائل الأخرى ، وليس لهم امتياز في السياسة أو الاقتصاد ، وكان اليهود المقيمون هم المسيطرين على مقدراتها الثقافية والاقتصادية ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 108 . ( 2 ) الزرقاني « مناهل العرفان » الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 235 .