تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
« 1 » . وهذه القضية الحقيقية ترينا تمسك النبي بالوحدانية منذ الوهلة الأولى ، وإصراره عليها سائر مراحل الدعوة الإسلامية ، وعدم القبول بما يناقضها مهما كان الثمن . والتنديد بآلهة المشركين ، وشتمها ، وإظهار ضعفها . ولا ندري الآن كيف استنبط « رودنسون » من هذه القضية عدم دعوة النبي إلى الوحدانية في بداية أمره وقد جاراه في هذا الادعاء بقية المستشرقين ممن عرضنا عليك قولهم أو الذين لم نشر إلى آرائهم بالخصوص . ونحن نعتقد جازمين أن فكرة التوحيد هي التي سادت الدعوة الإسلامية منذ بدايتها . ولم يجعل الرسول مع اللّه آلهة أخرى منذ البداية ، ولم يشركها في أمر من أمور العبادات أو المعاملات . بل إن الآية الأولى التي أنزلت عليه باتفاق العلماء تشير إلى هذه الوحدانية المطلقة لقوله تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
« 2 » . كما أورد في آية المزمل وهي من أوائل السور المكية هذه الدعوة التوحيدية لقوله تعالى :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
« 3 » . وهكذا فإننا لم نجد الأدلة التي تساند رأي المستشرقين في هذه الشبهة التي أرادوا من ورائها البرهنة على بشرية القرآن ، وأنه من تأليف الرسول وأصحابه . وإن آياته تعكس الظروف البيئية والشخصية التي تمر بها الدعوة الإسلامية . والتي كانت أساسا قد انصبت على إصلاح المجتمع المكي الغارق في الفساد والضلال . وأما الوحدانية وما تبعها من أفكار إيديولوجية كان لها ولوحدها تلك الآثار البعيدة المدى في نشر الدعوة الإسلامية ، فقد جاءت بعد حين . ولم يكن محمد ثوريا ولا داعيا إلى دين عالمي جديد . ولكنه أشرك آلهة قومه مع ربه ، ومنح لهم القوة الثانوية التي يستمدونها من إلهه . وهذه التخرصات لا أساس لها من التاريخ أو من آيات القرآن التي أتت منذ البداية قاطعة للشك في هذه الوحدانية التي هي عماد الديانة الإسلامية وأساسها المتين ، وركنها الحصين . واللّه الذي يقبل التوبة من عباده مهما ارتكبوا من
هامش
( 1 ) سورة النجم ، الآيات : 19 - 23 . ( 2 ) سورة العلق ، الآيات : 1 - 4 . ( 3 ) سورة المزمل ، الآيتان : 7 و 8 .